ليلة الثالث والعشرين من ديسمبر لم تكن مجرّد ظلام سيخيّم على سماء قرية الهوايدية المتربّعة على مدخل مدينة طبرقة كعروسة مغدورة في حبّها. إنها الليلة التي عاهد فيها أهلها الترابَ والعينَ المغدورة بجرّافات “ضبع الرأسمال الاستخراجي”. مقطع الحجارة، حيث المال والسلطة ضدّ الأصل والغدر ضد الوفاء والحب وجها لوجه مع الجشع…

ليلتها بات الرفاق يعدّون شعارات المعركة. معركة اللاّعودة وإعلان اعتصامهم بمدخل المحجر. وعلى القماش الأبيض بياض الحجارة وباللون الأحمر حمرة قلوبهم كتبوا التالي: “نتوحّد -نقاوم -ننتصر”، “نشربوا الغرم باش يعيشوا المجرمين”، “الماء اللي يلوث فيه الكريار فلاحتنا أولى بيه”، “عين ذكارة يا سمسارة”…

لم تكن الليلة طويلة لأن صبحها كان بطعم قبلة الحب الأولى. وكان الاتّفاق أن يكون بيت العمّ شريف هو ميعادنا وموعدنا نحو فجر آخر تستعيد فيه أرض الهوايدية ابتسامتها ويعود للتوت البري طعمه الأول وللزعتر رائحته وللرجال كما للنساء عزّتهم…

الأرض ولا شيء غير الأرض. والعمّ شريف هو كبير القرية وصانع المحاريث الخشبية. حين تراه ترى خدوش الحرث على جبينه وفي تجاعيده ترى السنابل والبيادر. وحين يحدّثك عن الجبل والذئاب والعصافير ترقص بداخلك الرواية والأغاني رقصة الدراويش أو رقصة الذئاب الجريحة.

وذلك الصباح كان جميع الأهل ذئابا جريحة. ذئاب خمير التي لن ترضى بديلا غير إيقاف النهب المنظم لقفا جبل الهوايدية الشامخ…

لم تكن القضية تحتمل اللّبس. فكلّ ما في الأمر أن الدولة قد رخّصت لصاحب المقطع عام 2002. ومن يومها والجرّافات تنهش قفا الجبل حتّى وصل عمق الحفر للمائدة المائية الجوفية. أُعدمت العين التي تحدّد وجود الأهل على تلك الأرض بفضلها. أما عن الغبار المتطاير فقد كان سببا في موت بعض الأشجار وتراجع إنتاج البعض الآخر… كما اختفى النّحل حيث لا زهر مع الغبار … وكذا تصدّعت جدران المنازل بل وأصبحت حياة الأهالي مهدّدة بانهيار الجبل على رؤوسهم ..

“ومتى كان يحقّ لصاحبات “الفولارات ” أن يقفن بوجه أصحاب المليارات؟”. عثمان السالمي، إنسان

تعدّدت شكايات الأهالي ومراسلاتهم ولا من مجيب… فالدولة دولة الأغنياء أصحاب الأرصدة المكنوزة … جميع المراسلات كانت تجد سلة المهملات لها مستقرّا… تقارير وكالة حماية المحيط ووزارة البيئة تدين المقطع،  لكن ما عسى قرويين وصغار فلاحين أن يفعلوا غير الوقوف صفّا واحدا لإنقاذ أرضهم من هذا الوباء الفتاك بالطير والشجر والبشر؟ …

أثناء الإعتصام زار الخيمة نواب من جميع التيارات السياسية وكتبت جميع الصحف وأذاعت النّبأ الإذاعات ونقلته أغلب القنوات. الكلّ خاض في القضية.  قضية أهل الهوايدية واعتصامهم من أجل الحق في الحياة …

كانت مطالب الأهالي واضحة جلية كشمس الحقيقة: الإغلاق النهائي للمقطع وتعويض المتضرّرين ومحاسبة كلّ من أجرم في حقّ هذا الدوّار الذي تشبه علاقته بالدولة “علاقة الحلزون بالثقافة”، ومعاقبة الفاسدين فصاحب المقطع يستغل الجيل عشوائيا حيث أن رخصته قد انتهت صلوحيتها قبل الاعتصام بثمانية أشهر! كل السلط التي كان من  المفروض أن تراقب الأشغال تركته يعبث ويعيث بالجبل فسادا..هنا كان على الرفاق أن يرفعوا شعار المرحلة:”المقطع مغلق نهائيا بقرار شعبي.”

بين الجمع كان “صبيّ أربعينيّ” يخطئ طريق العودة لبيتهم العتيق لكنه ما أخطأ يوما دربه. لحظتها جابت بخاطره فصول رواية -النهايات- لمنيف وبطلها عسّاف درويش القرية وصائد الحجل. وتمتم “الصبيّ” في سرّه أغنية بين ريتا وعيوني مستحضرا الصبا وقوائل العين (عين ذكارة) والتوت المحيط بها.  وأعاد مرّات ومرّات :”وأنا أذكر ريتا مثلما يذكر عصفور غديره…”

تذكّر “الصبيّ” كيف كان يغافل عائلته وهو صغيرها ليجلب سطل ماء بارد من العين يقدّمه لأبيه عربون حب وبرّ.. ثم تدحرجت به الذاكرة لأبعد وأبعد. وسرعان ما عاد ينظر لخطوات الأهل الواثقة نحو معركة يعلم جميع الرفاق أنها ليست بالهيّنة.

لكن لا دولة ولا دستور ولا قانون تمنع أهل الجبل من حق ناضل من أجله الإنسان منذ فجر التاريخ. الحق في الحياة. لا قوة على الأرض قادرة على اجتثاث أهل عمّروا ربوعهم منذ ما يقارب الأربعة قرون.  فلا لعاب المسؤول السّائل ولا عصا البوليس ولا حتى حلف الناتو قادرون على تحريك شعرة صبي صغير في الهوايدية… الأقدام ثابتة بالجغرافيا ولا ريب أنها بصدد كتابة التاريخ. لن تمرّ هذه الوجوه مجرّد ظلّ على الأرض…

دُقّت الأوتاد ونُصبت الخيمة… كان سقفها عاليا لا يبالي بالريح العاوية. جُمع الحطب وأُشعلت النار.  جاء الرغيف بلون وجوه الكادحات والزيت بطعم التراب ودفء الحبيبة المخلصة. وصاحت الحناجر: “أنا ما هنت في وطني ولا صغّرت أكتافي، وقفت بوجه ظلاّمي يتيما عاريا حافي”.

“جميع المراسلات كانت تجد سلة المهملات لها مستقرّا”. عثمان السالمي، إنسان

قطع الأهالي الطريق المؤدّي للمقطع. وعادت الشاحنات أعقابها محمّلة بالخواء. لا حجر أمام إرادة البشر. لا جرّافة ولا حفّارة يمكنها الصمود أمام عكّاز العم شريف وابتسامة الجدّة زهمولة. سيارات الشرطة المحمّلة بأبناء الشعب الذين تقطّعت بهم سبل التعلم والتعليم لم تكن كافية لتحرّك قدم أحد من المعتصمين …

قسمّت يومها المهامّ. البعض للرّعي والبعض للطبخ وتأمين الدوّار أما البقية فتجنّدوا تحت سقف الخيمة المطلّ على بحر طبرقة والمطلّ على مجد ملحمة الحق المشروع..فأي أحقية وأي أهلية تسمح ل”ضبع بشري” بتدمير قرية وتهجير أهلها قسريا؟

لنا على جبل الهوايدية مقبرة ينام تحت ترابها أحبّة، فكيف لمن فوق التراب أن يخذل؟ كيف لدم تكوّن على زيتها وقمحها وتينها وزعترها الفوّاح بشاي السّهر أن يكون دما باردا لا يغلي حين تمسّ أرضه أصابع الجشع والطمع؟ كيف للأجساد السمراء ودمائها الحارّة التي لم تساوم يوما أن تضعف أو تجبن أو تهون؟

 ليلا يقترح أحدهم رواية لأرباب الكتابة كي تناقش… تارة لجورج أمادو وتارة لمكسيم وحينًا سكارميتا… فتحت سقف الخيمة عين تقرأ وأخرى تحرس وأذن تسمع والأخرى تتعقّب صرير الخنافس وحتى دبيب النّمل…لا ثقة في من أعدم مائدة مائية بحالها ولا في أجهزة دولة سخّرت فقط لمن لهم المال والأعمال.

زمن الكورونا والحجر الصحّي أمطرت السلطات الأمنية أحرار وحرائر الهوايدية بالاستدعاءات للبحث والتحقيق قصد ترهيبهم وتشتيتهم والمسّ من معنوياتهم …لكن هيهات. فالأهل بدم واحد وغصّة واحدة..غصّة الظلم الذي لا تستهينه إلا الأنفس الذليلة الخانعة المنبطحة…

تتواصل محاكمات الأهالي إلى الآن. المسار طويل والمعركة مستمرّة ومفتوحة، أمّا الأهمّ فهو أن :”المقطع مغلق نهائيا بقرار شعبيّ”.

المجد للمقاومة الشعبية.

تنويه