اعتدنا أن نقرأ لهم، نسمع منهم، ونشاهدهم ينقلون لنا الخبر أو يحكون لنا قصّة ما وراء الخبر. هم صحفيون وصحفيات اختاروا مهنة المتاعب عن سابق إصرار وترصّد. تراهم منتشرين في الميدان يتربّصون بخبر أو تصريح أو يلاحقون قصّة. يعشقون تعبهم. فإذا ارتاحوا يوما، إن هم ارتاحوا، كلّت نفوسهم وملّت. وجاءت الكورونا، فأقعدت معظمهم البيت فيمن أقعدت. وضرب عليهم الحجر الصحي كما ضرب على قرّائهم ومستمعيهم ومشاهديهم. ولأنّ كورونا لها قواعد أخرى، صار الصحفيون يصنعون قصصهم من البيت. وصاروا هم جزء من قصّة الحجر الصحّي زمن كوفيد 19. هذه القصّة.

 

“محلّ شكّ” في العمارة

هادي يحمد، كاتب صحفي

اليوم الثاني من إعلان الحجر الشامل في تونس، حللتُ بالبلاد قادما من باريس . نُصحت بالبقاء في البيت أربعة عشر يوما. “أنت قادم من إحدى بؤر الوباء”، قالت لي صديقة في الهاتف. خضعت للأمر. الهوس الذي أصاب البلاد من كل القادمين من الخارج جعلني “محلّ شكّ” في العمارة. بعد أن كان القادمون من الخارج محلّ تبجيل، هم وعُملاتهم الصعبة، أصبحوا محلّ ريبة وشكوك حول إمكانية حملهم للفيروس. أغلقتُ دوني باب الشقة في عزلتي الإجبارية. تكفّل أحد الأصدقاء بقضاء شؤوني وايصالها أمام الباب كل ثلاثة أيام تقريبا. عدا متابعة الأخبار اليومية، قضيت أيّام الحجر بين الكتب. بالنسبة لصحفي مثلي يعشق السفر حاولت انتقاء الروايات التي ترسم ملامح شوارع  المدن من مكتبتي… عدت إلى إسطنبول عبر رواية- السيرة الذاتية للكاتب التركي أورهان باموق وكتابه “إسطنبول، الذكريات والمدينة”. زرت القدس المحتلّة في ثلاثينات القرن الماضي عبر رواية “قصّة عن الحب والظلام” للكاتب الإسرائيلي عاموس عوز. والأهمّ أنني عدت إلى باريس بعد أقلّ من أسبوعين من الفراق عبر رواية “عراقي في باريس” للكاتب العراقي الكلداني صموئيل شمعون. الحجر الصحّي كان بالنسبة لي رحلة بين المدن عبر صفحات الروايات والكتب. ربّما كانت طريقتي للهروب من مربّع المكان وتحدِّيا لإكراهات العزل والحصار بين الجُدر.

 

وحدي في إسطنبول… أبتسم!

زينب الغيلاني، صحفية تونسية في تركيا

“وحدي.. كنت وحدي.. عندما قاومت وحدي.. وحدة الروح الأخيرة…” (محمود درويش) التزمتُ بالحجر المنزلي وحدي. قاومتُ أخبار العواجل ورعبها في شغلي وحدي. قضيتُ شهر رمضان على مائدتي وحدي… اعتنيت بصديقتي الجديدة الكلبة “صوفيا”. غسلت أسنانها.. قدّمت لها الأكل ولاعبتها… لقد أضفتِ مهامّا متعبة جديدة لجدول أيامك يا زينب! لا يهمّ! المهمّ أن حضور “صوفيا” يكسر الصمت القاتل في عزلة بيتي.. تقشّفتُ قليلا في غذاء الجسد وأسرفت في غذاء الرّوح والعقل والقلب ليس بالمطالعة فقط، بل بالموسيقى أيضا. عدتُ إلى العزف مع أوتار العود وغصت في ثقافته أكثر. فسافرت مع المقامات والموشّحات والوصلات في جولات فنية لكوكب الشرق “أم كلثوم” خاصّة. بحثتُ عن تسجيلات نادرة لم أسمعها من قبل بصوتها وأصوات الملحنين معها مثل العملاق رياض السنباطي…عشتُ نيران الحب ولوعة الفراق مع وردة الجزائرية وبليغ حمدي. تنفّستُ نسيم الأندلس الإسباني مع خوليو إغليسياس وبابلو آلبوران وآلخاندرو سانز.. وكلما انتعشت روحي فرحًا من سماع الموسيقى ترحّمت على نيتشه الذي اعتبرها دائمًا وسيلة للخلاص لولاها تكون الحياة غلطة.. بعد ارتحالي اليومي بين حقول الأدب وبحور النغم، صرت أغبط نفسي على نعم الحجر، وأبتسم في عزلتي وحدي!

 

“عدا متابعة الأخبار اليومية، قضيت أيّام الحجر بين الكتب”. صورة تقريبية، بيكسا باي

أخاف أن ينتهي العالم وألاّ ألتقيها

وسام حمدي، صحفي ومحلّل سياسي

حين حزمتُ أمتعة الرحيل مغادرا المرسى-أولى بؤر الوباء في تونس- متّجها إلى مدينتي الأم جبنيانة، كُنتُ أعتقد أن العزلة ستجعل الحياة عدما وأني سأكون ربّما أشبه بجسد بلا روح سيفقد عاداته اليومية الرائعة منها والسيئة وأني سأفقد صديقا مفضّلا كنت ألتقيه كل يوم للنقاش حول كأس نبيذ… للوهلة الأولى، كان شعور اليأس يملأ المكان. كنت أشتمّ رائحة الموت وأشتُم في كل لحظة عدوّا غير مرئيّ حرمني معانقة أمي بعد غياب طويل. لقد كان شعورا مؤلما أن تجلس طيلة 14 يوما في زاوية غرفتك المظلمة وَترى شخصين يتشاجران أمامك وتقول “ما هذا؟ أهذا أنا؟!”… ويختفيان لكن تظلّ أصواتهما بِداخلك تردّد “قاوم، قاوم “. العجيب أنَهما اتّفقا لاحقا ليُصبح صوتهما صوت رجل واحد . حينها فقط قلت “حسنا لقد بلغت العزلة ذروتها.” فتأقلمت… وأخذت أكتب وأفكر إلى درجة أني كدت أصاب بالجنون فرأيت الفيل نملة والنملة فيلا. إلى أن دقّ قلبي سائلا عقلي: “ماذا سنفعل في قلب هذا الجسد الجامد الذي سيموت لا محالة ؟” حينها فقط همس في أذني عشق لطمني على وجهي ثم أنار طريقي بطرح السؤال وإعادة طرحه: “لماذا لم تقل لمن تحب أنك تحبه، ربما سيموت الناس جميعا ولن تقول ذلك…” هاتفتُها وأعلمتُها. تردّدت رفيقتي… لكن أنس العزلة بعث شرارات حب ولد من رحم الوباء والمعاناة. لذلك أخاف الآن أن ينتهي العالم وألا ألتقيها، أو ألا أشاركها فنجان قهوةْ أو نتعشّى ونرقص أو أن تجمعنا صورة فوتوغرافيةْ واحدة تخلّد لحظة الحياة.

 

شاهين… خبري العاجل

مبروكة خذير ، صحفية ومخرجة وثائقيات

ثمة أشياء كثيرة كانت داخل البيت تترصّد بي فأهرب منها بحثا عن الخبر في روح الشارع ونبضه. لكنّني في زمن الجائحة فهمت أيضا أن خلف أبواب البيت أشياء كثيرة لنفعلها..  في زمن الحجر اكتشفت الوجه الآخر للأمومة.. أدركت أن في الكون كائنا صغيرا أهمّ من الخبر هو إبني الذي كان محروما مني طوال اليوم أوصله للمدرسة صباحا وأعود به مساء فنكون منهكين لننغمس في نوم لا نصحو إثره إلاّ لنكرّر يومنا ذاته .لزمت مع شاهين البيت يكتشف أحدنا الآخر. صرنا نمضي اليوم معا فندخل المطبخ و نلعب ونهتم بالحديقة المنزلية. صرنا نكتشف معا كيف يصنع الصلصال المنزلي، وكيف يطبخ الخبز المنزلي وكيف نحقق اكتفائنا الذاتي من حلويات نصنعها بأيدينا . شاهين لا يعرف عن كورونا وجهها السيء الذي سلب أرواح الآلاف. كلّ ما يعرفه أنها نعمة ألزمت والدته البيت! لفرط الالتصاق بيني و بينه مؤخّرا، برز معي شاهين على الهواء مباشرة على قناة بي بي سي. كنت يومها في مداخلة مباشرة و لكن إبني لم يحتمل أن يبقى وحيدا في غرفته. صعد إلى مكتبي يحاول جاهدا لفت انتباهي ثم اختار أن يجلس في الكرسي بجانبي. ضحكت مقدمة النشرة ثم انتهى الاتصال بابتسامة عريضة….

   

نداء إلى ركّاب قطار ما بعد كورونا!

مهدي زغديدي، صحفي اقتصادي

كنت ولا أزال مغرما بفيلم ‘الأزمنة الحديثة” لتشارلي تشابلن. فرغم مرور قرابة قرن على انتاجه إلا أنه مازال يعالج مشاكلنا المعاصرة. أحد أهم التساؤلات في الفيلم هي النسق السريع والمتسارع الذي أصبح يعيشه الإنسان منذ بروز الرأسمالية الحديثة. وكنت أتساءل – إنكاريا- إن كانت هناك قوة تستطيع إيقاف هذا الجنون. إلى أن حلّ ركب الكورونا لتجبر نصف سكان الأرض على ملازمة بيوتهم. ملازمة المنزل لمدة شهرين جعلتني أتأمل كثيرا فيما حدث لأخرج بالعديد من الاستنتاجات أهمّها أن الإنسان مهما تطوّر وتوغّل في العلم ظنّا منه أنه تألّه (ادّعى الألوهية) بعِلمه فهو مايزال جاهلا وضعيفا أمام القوة الإلهية ولم يؤت من العلم إلا قليلا. وأن القوة الإقتصادية بعد هذه الجائحة ضاعفت السرعة للإنتقال من التجارة التقليدية نحو التجارة الإلكترونية واللوجستيك. فقد برز هذان العنصران أثناء الحجر الصحي كحل وحيد للمستهلكين من جهة وللمنتجين والباعة من جهة أخرى وحتى الفنانون والسينمائيون الذين روّجوا لأعمالهم عبر المنصات الإلكترونية. بل وجدت فيها الحكومات الحلّ لإجبار مواطنيها على ملازمة بيوتهم والعمل عن بعد حتى لا تتوقف عجلة الإنتاج. رأيي المتواضع، أن الحكومات والمؤسسات والأشخاص الذين سضيّعون فرصة اللحاق بهذه الطفرة الإقتصادية سيفوتهم قطار تاريخ ما بعد الكورونا.

 

عن “كذبة” الحجر الصحّي

يسرى شيخاوي، صحفية

قبل كورونا لم أتخيل يوما أن أمكث أسيرة جدران غرفتي لما يزيد عن الشهر. أعمل عن بعد، ولا أتواصل مع الأصدقاء والزملاء إلا عبر فضاء افتراضي لا حرارة فيه ولا أنفاس. قضيت فترة الحجر بين التفكير في الغد والتجوال بين أخبار الفيروس في تونس وخارجها ألاحق أرقام الوفيات والإصابات وأحكم قبضتي على أرقام حالات الشفاء أنسج منها خيوط الأمل..  في أوّل مصافحة لي مع الشارع، تملّكني الخوف… خفت العدوى ونقل الفيروس إلى عائلتي واستهتار الناس في الشارع. خفت عجز دولتنا عن استيعاب الإصابات… من فرط خوفي، كان يخيّل إليّ أن لكورونا يدين ورجلين وأنها تسير إلى جانبي في الطريق. وحدث أن أفلتت ضحكتي وأنا أرتطم بالحائط تجنّبا للاحتكاك ببعض المارة… كما حدث أن أفقت على صدمة “كذبة” الحجر الصحي حينما رأيتُ  الناس يتزاحمون في سوق “حي الانطلاقة”… هو يوم واحد كسرتُ فيه الحجر الصحي لسبب ملحّ، عدت على إثره إلى التقوقع في غرفتي أطارد المبادرات التضامنية زمن الكورونا وأتحدّث عنها وأحاول أن أكون صوتا لمن لا صوت لهم… عاملات أعادهنّ مؤجّرهن إلى العمل دون وقاية، وسِلياكيّون (مرضى حساسية القمح) لم يعثروا على موادهم الغذائية الخاصّة. وامرأة فقدت أخاها لأن الإطار الطبي رفض إسعافه خوفا من كورونا…

 

لم تجد يسرى أثرا للتباعد الاجتماعي يوم كسرت الحجر الصحّي أوّل مرّة، صورة تقريبية، بيكسا باي

عندما خبرتُ صبر التونسيّين

بسّام حمدي، صحفي ومحلّل سياسي

لم تمرّ مرحلة الحجر الصحي الشامل دون أن تخلّف انطباعات نفسية واجتماعية متنوعة ولم تكن مجرد تجربة وقائية من وباء تفشّى في كل دول العالم بقدر ما كانت وقفة تأمل في خصوصيات مجتمعية عديدة لم نغص فيها سابقا بالقدر الكافي. في فترة الحجر الصحي الشامل تعرّفنا عن قرب على المدّ التضامني الاجتماعي في فترات الأزمات الحادة. مدّ خلّف انطباعات كثيرة بشأن قبول المجتمع التونسي لكل مجالات التعاون والتآزر بصفة إرادية و دون وصاية حكومية . عن نفسي، أتاحت لي أيام الحجر المجال للمساهمة في تجميع و توزيع المساعدات والمعونات على العائلات المعوزة وفسحت لي المجال للاقتراب من المجتمع بعيدا عن أضواء الكاميرات ومصدح الإعلام. وطيلة تجربة الغوص في التعرف على مدى تقارب التونسيين لبعضهم البعض في فترات الحاجة، خيّرت كصحفي عدم الإفصاح عن مهنتي لأكون أكثر قربا من المواطنين، فخبرت فقدان الكثير منهم الثقة في مؤسسات الدولة مقابل ارتفاع منسوب الثقة لديهم في كل سبل التعاون والمدى التضامني الاجتماعي… مدة قصيرة، خبرت فيها صبر الكثير من التونسيين على أوضاعهم المزرية واستعدادهم لتقديم تضحيات حقيقية تؤسس لثقافة اجتماعية اشتراكية يتقاسمون فيها الغث والسمين بصفة إرادية وخيرية لا تتدخل فيها تكتيكات ولا خلفيات سياسية وإيديولوجية.

 

“سنموت وحدنا”… قال لي “عمّ الهادي”

هيفاء بالطّيب، صحفية إذاعية

حال الإعلان عن أولى الإصابات بكورونا في تونس، بحثت عن طبيب ينزل ضيفا على برنامجي الإذاعي ويمدّني بمعلومات حصرية ترضي “غروري الصحفي” ….إلاّ أنّ مكالمة مباشرة تلقّيتها في إحدى الحصص من “عمّ الهادي”، شيخ السبعين، غيّرت خطّتي. كان “عمّ الهادي” يعاني أمراضا مزمنة عديدة تستوجب المتابعة الطبية المستمرّة، ولكنّ ظروف الحجر الصحي الشامل وغلق أغلب العيادات أبوابها أمام مرضاها، إضافة إلى صعوبة التنقل للعاصمة والخوف من التقاط العدوى في المستشفى، كلّ ذلك جعل “عمّ الهادي” يفضّل ملازمة البيت… أو ربّما اضطرّه إلى ذلك… وهو يحدّثني عبر أمواج الأثير، كان “عمّ الهادي” يجهش بالبكاء شاكيا بكلّ حرقة “لا تنسونا نحن المرضى بغير الكورونا…. سنموت وحدنا ولا من طبيب يجيب “. سمعت ساعتها في صوته أصوات الآلاف من التونسيين أمثال “عمّ الهادي” الّذين لن تقتلهم الكورونا وإنّما ستقتلهم أمراضهم المزمنة متى تحالفت ضدّهم مع القلق و الحيرة و الوحدة … لم يفارق صوت بكاء الشيخ أذني، وقرّرت بدءا من ذلك اليوم أن أخصّص برنامجي الإذاعي للمرضى بغير الكورونا ممّن نسيتهم الصحة العمومية والخاصة وتغافلت عنهم المنابر الإعلامية.