بين 1 جانفي 2018 و9 جويلية 2020 سجّلت خدمة شؤون الأجانب بالبوسنة والهرسك في الإجمال، 60،237 لاجئا ومهاجرا، أغلبهم قادمون من الباكستان. خلال الفترة نفسها تمّ تسجيل 365 مواطنًا تونسيًا على الأراضي البوسنيّة.

منذ بداية العام 2020 سجّلت مصلحة الأجانب في البوسنة والهرسك، إحدى دول البلقان، 37 مهاجرًا من تونس. خمسة منهم يقيمون حاليا في مخيّمات تسازين وبيهاتش (Bihać). فيما ينام البقية في الغابات والحدائق العمومية أو المنازل والمصانع المهجورة.

[wpdatachart id=2]

فيليكا كلادوشا (Velika Kladuša) واحدة من المدن أين يقيم معظم اللاجئين والمهاجرين في البوسنة والهرسك، تقع على طول الحدود مع كرواتيا. تجذب هذه المدينة الأشخاص المتنقّلين لأنّها طريق قصير جدّا إلى دول الاتّحاد الأوروبيّ المرغوبة.

كرواتيا وسلوفينيا ليستا منطقتين آمنتين للأشخاص المتنقّلين، لأنّ الشرطة تعيدهم إلى البوسنة والهرسك، ومع ذلك، إذا تمكّنوا من اختراق إيطاليا تنتهي “اللّعبة”. لعبة القطّ والفأر مع الشرطة الكرواتية كما يسمّونها.

لا أريد أن ترى أسرتي بؤسي

في فيليكا كلادوشا يتجوّل العديد من الأشخاص في الشوارع وينامون تحت سماء مفتوحة. المتطوّعون يقدّرون أنّهم أكثر من 2000 شخص.

في المنتزه بفيليكا كلادوشا قابلنا رجلا يقدّم نفسه على أنّه عصام. قال إنّه يبلغ من العمر 38 سنة وقادم من تونس من مدينة تسمّى الكاف. صديقه أيضا من تونس، وأظهر لنا جواز سفره كدليل. مع ذلك، لم يرد التحدّث إلى الصحفيّين أو أخذ صور.

قال عصام إنّ مهنته سبّاك. عاش في فرنسا تسعة سنوات مع زوجته وطفليه. مع ذلك، تمّ ترحيله إلى تونس وبقيت أسرته في فرنسا. الآن يحاول الوصول إلى إيطاليا.

يزعم كلّ المهاجرين أنّهم يتعرّضون إلى الضرب على أيدي شرطة كرواتيا وسلوفينيا. فانيا ستوكش، إنسان/ إترافيكا

ويشير عصام إلى أنّه مكث في طريقه في مخيمين في ألبانيا وسراييفو. وأنه في البوسنة والهرسك منذ ستة أشهر. وينام حاليا في الخارج دون أيّ مأوى. يجلب له السكّان المحليّون الطعام أحيانا. لكن ليس دائما وليس بكمّيات كافية.

يقول عصام: “في تونس هناك مشكلة الحرية، حرية التعبير، الديمقراطية… هناك فجوة كبيرة بين الأغنياء والفقراء. هذا هو الحال في المغرب، الجزائر وتونس”، ويضيف أنه “لا يمكننا قانونيًا الوصول إلى إيطاليا مع جواز سفري، إذا عرضته على الحدود فسيأخذونه منّي أو يحرقونه. هو ليس معي، ولكن لديّ نسخة ممسوحة ضوئيا ( scanned).”

ذهب عصام إلى “اللعبة” ستّ مرات حتّى الآن وفي كلّ مرّة تعيده الشرطة، وهو يدّعي أنّه تعرّض إلى الضّرب على أيدي ضبّاط شرطة كرواتيين وسلوفينيين.

يقول: “أخذت الشرطة الكرواتية هاتفي، أخذوا كلّ أغراضي وألقوا بها في حفرة وأحرقوها”.

لم يسمح لنا بتصويره. لا يريد أن ترى أسرته مدى بؤس حياته في البوسنة والهرسك وحالة اليأس التي يعيشها. يريد إذن الحفاظ على كرامته.

يقدّم السكان المحلّيون الطعام إلى المهاجرين أحيانا. ولكنّه غير كاف. فانيا ستوكش، إنسان/ إترافيكا

في نهاية شهر جانفي/ يناير من هذا العام،  وفي محطة السكك الحديدية في بانيالوكا (Banja Luka)، التقينا بثلاثة رجال قدّموا أنفسهم لنا كمواطنين تونسيين تتراوح أعمارهم بين 35 و40 سنة. كانوا ينتظرون القطار الليليّ إلى بيهاتش حيث خطّطوا للسير إلى إيطاليا. جاءوا إلى صربيا، كما أخبرونا، بشكل غير نظاميّ لقضاء عطلة رأس السنة الجديدة.

مكثوا هناك لمدة شهر تقريبًا كسائحين ثمّ انتقلوا بشكل غير نظاميّ إلى البوسنة والهرسك.

قالوا لنا: “لا نريد الذهاب إلى المخيّمات، فالظروف هناك سيّئة للغاية. في الوقت الحاليّ لدينا المال لسكن خاصّ، ومن المهمّ لنا أن نحظى بنظافة جيدة.”

اشتكوا من مواقف الصّرب تجاههم، وقالوا إنّهم طُردوا من المقهى فقط بسبب لون بشرتهم. وأوضحوا أنهم غادروا بلدهم لأنهم يريدون البحث عن حياة أفضل في الخارج.

قال لنا أحدهم: “في صربيا أجبرنا النّوادل على الخروج من المقهى رغم أنّنا أخبرناهم أنّ لدينا نقودا وأنّنا سيّاح. ظلّوا يقولون إنّنا مهاجرون ولا يريدوننا في محيطهم. كنت أعمل في قطاع السياحة في تونس. تونس جيدة للسياح فقط ولكن ليس للسكّان المحليّين”.

وضع اللاجئين والمهاجرين في البوسنة والهرسك صعب للغاية. المخيّمات ممتلئة في الغالب، ولا تقبل أشخاصا جددا، لذلك يضطرّون إلى النوم في الغابات أو المباني المهجورة.

يضطرّ المهاجرون إلى النوم في الغابات أو المباني المهجورة. فيليكا كلادوشا. فانيا ستوكش، إنسان/إترافيكا

من الصعب جدّا الحصول على الطعام ومنتجات النظافة والأدوية والملابس والأحذية. يعتمد المهاجرون في الغالب على حسن نيّة السكّان المحليّين والمتطوعين. في المباني الكبيرة المهجورة، تتكوّن مجموعات تصل إلى عدّة مئات من الأشخاص. يعيشون في مساحة صغيرة، بلا حمّام أو سرير، وغالبًا بلا طعام. وكثيرا ما يشتكون من قيام الشرطة بضربهم ومنعهم من البقاء هناك.

آراء السكّان المحليّين منقسمة. وفي الوقت الذي يحاول البعض مساعدة المهاجرين، فيحضرون لهم الطعام والملابس والأدوية ويسمحون لهم حتّى بالدخول إلى شققهم للاستحمام، لا يريدهم البعض الآخر في بلدهم.

وسائل الإعلام البوسنية سلبيّة في الغالب تجاههم، وتصوّرهم على أنّهم خطرون ومصدر تهديد، متنمّرون ومجرمون.

عندما يبدأون “اللّعبة”، يستعدّ المهاجرون لعشرة أيام من المشي لمسافات طويلة عبر الجبال والأنهار. يجب عليهم إحضار ما يكفي من الطعام والماء، وحقيبة النوم، وأحذية مناسبة. إذا قبضت عليهم شرطة كرواتيا أو سلوفينيا، تتمّ إعادتهم قسرًا إلى أراضي البوسنة والهرسك.

يزعم جميع اللاجئين والمهاجرين أنّ شرطة البلدين تضربهم وتطلق عليهم الكلاب وتصادر الأموال والهواتف المحمولة وأكياس النوم وحتّى الأحذية والسترات. ويشتكون من أنّ جميع العناصر المصادَرة قد أضرمت فيها النيران أمامهم ثمّ أجبروا على العودة إلى البوسنة والهرسك حفاة وبلا طعام.

عندما تبدأ اللّعبة، يمشي المهاجرون مسافات طويلة لعدّة أيام. فيليكا كلادوشا. فانيا ستوكش، إنسان/ إترافيكا

هذه المرّة أبحث عن “خيط” متين

أعيد مهدي من البوسنة والهرسك إلى تونس في ماي 2019. في مسقط رأسه قفصة، بدأ الشابّ ذو الـ24 عاما بالفعل في البحث عن سبيل جديد للعودة إلى أوروبا. “هذه المرّة لست أبحث عن خيط حرقة، بل عن خيط متين ومضمون إمّا بإيجاد عمل أو عبر الزواج”. يقول مهدي.

 سافر الشابّ إلى صربيا في ديسمبر 2018، ومنها دخل البوسنة. لاحقا ألقي القبض عليه في كرواتيا وأعيد إلى البوسنة. طوال حوالي 7 أشهر، ظلّ مهدي يحاول قطع الحدود البوسنية الكرواتية فيمنى كلّ مرّة بالفشل.

يزعم مهدي أنّ أمن الحدود الكرواتي قد مزّق جواز سفره في محاولته الأولى لتجاوز  الحدود خلسة. تعرّض الشابّ بعدها للإيقاف أربعة مرّات في كرواتيا.

يقول: “كان يتمّ تعنيفي بشدّة في كلّ مرّة أتعرّض فيها للإيقاف. حتّى الماء كانوا يجعلوننا نشربه من سيفون المرحاض”.

“كانت تجربتي صعبة جدّا، فقط كنت أضطرّ لشقّ غابات مشيا على الأقدام’. مهدي، إنسان/إترافيكا

 يقول مهدي إن: “النظرة للعرب والمسلمين في كرواتيا سيّئة جدا. حتّى عندما تدخل مقهى أو مغازة وأنت تملك المال لاقتناء ما ترغب به يطردونك”.

علم مهدي أنّه إن تعرّض للإيقاف مرّة خامسة في كرواتيا، فستتمّ محاكمته ويدخل السجن، لذلك لم يتردّد كثيرا في قبول عرض المنظمة الدولية للهجرة بتأمين عودته إلى تونس. “دخول السجن في كرواتيا يعني أنّ البقاء حيّا يصبح أمرا صعبا”. يزعم مهدي.

تمّ نقل مهدي إلى سراييفو لأخذ بصماته، أين ظلّ هناك أسبوعا قبل تأمين رحلته إلى تونس عبر تركيا. رحلة لم تكن يسيرة هي الأخرى على الشابّ العشرينيّ.

 “ليس للتونسيّ قيمة خارج بلده. في مطار إسطنبول، أردت اقتناء بعض الموادّ المعفاة من الضرائب فلم يسمحوا لي!”

 لم يكن مهدي يعلم ساعتها أنّه لن يلقى معاملة أفضل في مطار تونس قرطاج. فقد استقبل في تونس، وفق قوله، بالضّرب والسخرية.

رخصة المرور الخاصّة بمهدي. “الغاية من السفر: عودة طوعية”. إنسان/إترافيكا

“خديعة العودة الطوعية”

يقول رمضان بن عمر، المكلّف بالإعلام في المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية إنّ “السلطات القنصلية التونسية لا توفّر الإحاطة والدعم الكافيين للمهاجرين التونسيين غير النظاميين الراغبين في الوصول لدول أوروبا الغربية عبر البوسنة وتتعامل معهم على أنهم منبوذون ولا توفر لهم الإحاطة الصحية والدعم القانوني لاستئناف قرارات الطرد التي تصدر ضدهم.”

مضيفا “بل هي تلجأ في أغلب الأحيان للتنسيق مع المنظمة الدولية للهجرة لإعادتهم لأرض الوطن حتى لا تكلّف نفسها عناء دفع ثمن التذكرة وما يستلزمه ذلك من أسابيع من الانتظار حتى توفر الاعتمادات المالية للمنظمة وخاصة توفر رحلة باقل تكلفة مهما كان حجم انتظارك في مطار الترانزيت.”

وصل تسلّم مهدي مبلغا نقديا قيمته 500 يورو بعنوان المساعدة على إعادة الإدماج. إنسان/ إترافيكا

 

وعن العودة الطوعية يؤكّد بن عمر أنّه:

شارحا “يجبر المهاجر على الانصياع الى هذا القرار بعد أن يوضع في ظروف إنسانية صعبة ويحرم من كل حقوقه ومن أي شكل من أشكال الدعم ويحاصر بضغوط نفسية وصحية صعبة تحجره أخيرا على الانصياع بعد إغراءات بتنفيعه بمساعدة مادية ومساعدته على إعادة الإدماج في المجتمع ليعود محمّلا بخيبات تضاف إليها خديعة العودة الطوعية.”

ويختم رمضان بن عمر بالقول “يجب البحث حقيقة عن مموّلي هذه البرامج حتى نفهم فلسفتها وغايتها وفي إطار أي سياسات تم وضعها”.

كلّفت محاولة الهجرة غير النظامية مهدي حوالي 12 ألف دينار تونسي (نحو 3،685 يورو). بينما سلّمته المنظمة الدولية للهجرة-  مكتب البوسنة والهرسك مبلغا نقديا قدره 500 يورو (حوالي 1،630 دينار تونسي) بعنوان المساعدة على إعادة الإدماج ضمن برنامج المنظمة للمساعدة على العودة الطوعية وإعادة الإدماج. لم يتلقّ مهدي دعما من المنظمة حتى الآن لإيجاد عمل أو بعث مشروع، وفق تأكيده.

تنويه

Authors