في خضمّ أزمة صحية واجتماعية مباغتة، كان للمجتمع المدني التونسي في زمن الكورونا والحجر الصحّي موعد مع العائلات التونسية. مهمّته هذه المرّة هي سدّ رمق  المعوزة منها بما يسمح بإبقائها في بيوتها للحدّ من انتشار جائحة فيروس كوفيد 19. أمنية. كوجينة الزوّالي. الهلال الأحمر ببن عروس. ثلاث جمعيات كانت في عداد مئات المنظمات التي لم يقعد الحجر الصحفي أعضاءها ومتطوّعيها ببيوتهم، بل دفعهم إلى طيّ المسافات بين ولايات تونس الكبرى لإيصال المعونات الغذائية للآلاف من مستحقّيها. عن التونسيين الّذين “حملوا أذن القفّة” مع مواطنيهم التونسيين الرّازحين تحت خطّ الفقر، هذه القصّة.

يرى الخبراء أن هذا الوضع المقلق يتفاقم سنة بعد أخرى نتيجة تواصل ارتفاع معدلات التضخم وتأزم الوضع الاقتصادي العام للبلاد. وقد أعلنت الحكومة تقديمها مساعدات لنحو مليون عائلة في إطار مكافحتها تداعيات كورونا على معيشة السكّان.

منذ بداية الحجر الصحي في شهر مارس، تكفّلت أمنية، كوجينة الزوّالي والهلال الأحمر ببن عروس، على غرار عدّة جمعيات أخرى بتوفير المؤونة للعائلات المعوزة والفئات الهشّة التي فقدت مورد رزقها بسبب تداعيات الجائحة. حيث قامت بتوزيع القفّة على العائلات الأكثر احتياجا للمساعدة.

والقفة سلة تقليدية تونسية تصنع من سعف النخيل تستعمل في التبضع من الأسواق الغذائية، وتدلّ القفة الممتلئة في الذهنية الشعبية على الحالة الميسورة للعائلة.

ولئن لم يعد بالامكان توزيع الإعانات في مثل هذه القفاف لارتفاع سعرها وانحسار انتشارها، فإن مصطلح القفة بقي حاضرا رغم توسّع دلالته اللغوية ليشمل الأكياس البلاستيكية القابلة لإعادة الاستخدام.

وعلى الرّغم من أنّ المجتمع المدني التونسي قد اكتسب خبرة لا بأس بها في السنوات الأخيرة، إلاّ أن افتقار كثير من الجمعيات التي تواصلنا معها إلى قاعدة بيانات منظّمة ومحيّنة بدا واضحا عند محاولتنا جمع البيانات حول المساعدات الاجتماعية التي تقدمها. إذ أن المسؤولين الجمعياتيين الذين تواصلنا معهم اكتفوا بمدّنا بالأرقام عبر الرسائل الخاصّة والتصريحات الهاتفية.

أين وزّعت القفّة؟

قامت  جمعيات “أُمنية” و”كوجينة الزوالي”  و”الهلال الأحمر التونسي فرع ولاية  بن عروس” خلال الشهر الأول من فرض الحجر الصحي بتقديم إعانات إلى 425 و 1500 و1680 عائلة على التوالي.

شملت المناطق التي تم التدخل فيها الأحياء الشعبية والأشد فقرا، أين ترتفع معدلات الفقر والعمالة الهشة والبطالة. وتمركزت أغلبها في ضواحي العاصمة تونس.

حيث استهدفت جمعية “أمنية” بمساعداتها كلاّ من الأطفال اليتامى، ذوي الإحتياجات الخصوصية والأشخاص الذين أحيلوا على البطالة كإحدى تبعات فرض الحجر الصحي الشامل.

من جهته، قام فرع الهلال الأحمر ببن عروس بتوزيع 840 قفة على مستحقيها في البلديات والمعتمديات التابعة للولاية، وذلك عبر شبكة من المتطوعين.

أمّا جمعية “كوجينة الزوالي” والتي ساهمت في إعانة 1500 عائلة، فقد وفّرت المساعدات عن طريق  15 شخصا من المتطوعين يعملون على تلقّى طلبات المساعدات عبر الهاتف أو شبكات التواصل الاجتماعية. وقد سخّروا جميعا سياراتهم الخاصّة لتوزيع الإعانات على مستحقّيها.

لكن الجمعية لم تمدّنا بقائمة الأحياء والمناطق التي شملتها المساعدات.

ماذا في القفّة؟

بلغ متوسط عدد الأفراد لدى العائلات المنتفعة بمساعدات جمعية “أمنية” 4,5 فردا، وقد تمّ تخصيص قفة واحدة  للعائلة المكوّنة من 4 أفراد أو أقل وقُفّتين للعائلات المتكونة من أكثر من 4 أفراد.

احتوت قفّة أمنية على الزيت، والمكرونة، والطماطم، والأرز، والبيض، والحليب، والشاي الأخضر، والبنّ، والسكر، والشربة، والكسكسي، والزبدة، والهريسة، والصابون الأخضر، ومسحوق غسيل الثياب، والجافال (كلور).  على أن يتم في رمضان اضافة علبتي تنّ وجبن وتوفير الدواء اللازم لبعض العائلات وحفاظات الأطفال.

ووفق مصدر من الجمعية، فإنّ قيمة هذه القفة تتراوح بين 40 و75 دينار.

جمعية كوجينة الزوالي، من جهتها، قدّمت قفافا بمواد غذائية مختلفة بعض الشيء. حيث نجد فيها الزيت، والشامية،  والطماطم والمربّى والحليب والمكرونة والكسكسي والبنّ والشاي والسكر والجافال والصابون الأخضر والخلّ وحفاظات الأطفال.

وقد تراوحت تكلفة القفة الواحدة بين 35 و 65 دينار.

أما قفة الهلال الأحمر ببن عروس فقد تكوّنت من الفارينة والسميد (كلاهما موادّ أصبحت مقطوعة في جهات كثيرة)، والمكرونة والبيض والحليب والزيت والطماطم والملح والكسكسي والأرز وشربة الشعير والشربة العادية والسكر والهريسة والجبن والمربّى والشامبو والجافال وقطع الصابون.

 

غابت اللحوم والأسماك إذن عن هذه القفاف، التي وإن كانت أساسية في عدد من الأطباق التونسية التقليدية، وضرورية لتحقيق غذاء صحّي ومتوازن، فإنّ ارتفاع أسعارها منذ حتى ما قبل كورونا جعل الكثير من التونسيين يهجرونها إلى الأطباق “الكذّابة” (الخالية من اللّحوم).
للقصّة بقيّة…

تنويه