“كان مع الباجي القايد السبسي حقّ حين قال “ماك إلا مرا” (لست إلاّ امرأة). مهما درستُ، مهما تعلّمت، مهما عملت ومهما تقلّدت أفضل المناصب، أبقى مجرّد امرأة في نظر الناس… لقد قاموا باهانتي وإذلالي. وشعرت فعلا أنني ضعيفة. أنني مجرد امرأة…” كانت إيمان تتحدّث وهي تغالب دموعها فتغلبها.

هي إيمان القروي رئيسة لجنة الأشغال البلدية ومتابعة المشاريع ببلدية صفاقس. ترى إيمان أنها أكثر امرأة تشغل منصبا بمجلس بلديّ تعرضت إلى العنف.

بدأت قصّتها عندما نشرت تدوينة انتقدت فيها سير العمل البلدي. كانت الصورة تظهر حمارا يرى نفسه حصانا. كان ردّ بعض أعضاء نقابة أعوان البلدية أن جلبوا حمارا أمام البلدية وكتبوا الحرفين الأوّلين من اسم إيمان فوقه، قائلين إنهم سيزوّجونها من ذلك الحمار. كما قاموا بتهديدها وشتمها والتوجه لها بعبارات ميزوجينية، وفق تأكيدها.

 تعتقد إيمان أنها حتى لو أخطأت بنشرها الصورة فإن ما حدث معها ما كان ليحدث لو أنّ من نشر الصورة كان رجلا، خاصّة وأن جميع من شاركوا في تلك “الحركة الاحتجاجية” كانوا رجالا. وتشرح أنّ الأضرار لم تطلها وحدها بل طالت عائلتها وخاصة والدتها التي أصيبت بنوبة قلبية حين بلغها ما حدث مع ابنتها.

إلا أن المستشارة تجنّبت رفع قضية ضدّ من عنّفوها معنويا خشية التعرّض إلى المزيد من الهرسلة والانتقام، حسب تعبيرها.

صادقت تونس على الاتفاقية الدولية لمناهضة كافة أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، كما أقرّ برلمانها قانونا أساسيا متعلّقا بالقضاء على العنف ضد المرأة (القانون 58 لسنة 2017). 

 وأدرج هذا القانون العنف السياسي كشكل من أشكال العنف بهدف حماية المرأة في الحياة السياسية وتعزيز مشاركتها في صنع القرار. وتم تعريفه في الفصل 3 من هذا القانون بأنه ” كل فعل أو ممارسة يهدف مرتكبه لحرمان المرأة أو إعاقتها عن ممارسة أيّ نشاط سياسي أو حزبي أو جمعياتي أو أي حق أو حرية  من الحقوق والحريات الأساسية ويكون قائما على أساس التمييز بين الجنسين.”

ومع ذلك، لا يزال العنف السياسي في تونس يتزايد داخل البرلمانات والاجتماعات الحزبية والجمعيات والمجالس البلدية.

   

“معركة بين امرأتين”… نساء في مواجهة الاستنقاص

ليست إيمان الوحيدة التي تعرضت إلى العنف خلال عملها البلدي. ترى نهى القبايلي المستشارة ببلدية قرمدة من ولاية صفاقس أن العنف المعنوي هو خبزها اليومي. فتقول: “لقد تعوّدت أن أسمع كلاما مقلّلا من كفاءتي فقط لأنني امرأة ولأنني شابة… يقاطعني بعض الزملاء الرجال ويقولون (أنت لا تعلمين ما يحدث في المقاهي). أي أنني امرأة ولا يمكنني دخول هذه الأماكن التي تدور فيها أحاديث الرجال المهمّة…”

المقهى هو مكان تصنع فيه القهوة وبعض قرارات الرجال التي لا يمكن أن تشارك في صُنعها النساء.

 تذكر رئيسة بلدية جبنيانة السابقة جودة زغيدي أن زملاءها هي أيضا أخبروها أنّها لا تعرف شيئا عمّا يحدث حولها. ذلك لأنها، حسب رأيهم، لا يمكن أن تجلس في مقاهي الرجال. وتضيف جودة أن البعض من أعضاء المجلس البلدي ذهبوا إلى أبعد من ذلك في “استغلال عجزها عن دخول مقاهي الرجال” فيقومون بتشويهها ومغالطة الناس حولها خلال جلساتهم في المقهى.

وإضافة إلى التقليل من الكفاءة والتشويه، تقول رئيسة البلدية السابقة إنها عاشت الخوف داخل المجلس البلدي هي وبقية النساء حيث تعرّضن إلى الضغط والترهيب وحتى التهديد من زملائهن. واستشهدت بموقف قام فيه مستشار بلدي عندما أمرها بمخالفة القانون لقضاء شؤون شخصية ولمّا رفضت ذلك قام بالتهجّم عليها وتهديدها.

“أنت لا تعرفين شيئا… لأنك لا تذهبين إلى مقاهي الرجال”، هكذا قيل لجودة الزغيدي رئيسة بلدية جبنيانة السابقة.

أمّا رئيسة لجنة النظافة والعناية بالبيئة ببلدية صفاقس راوية عميرة فقد تعرّضت إلى عنف لفظي ومعنوي من قبل زميلتها التي قالت لها خلال جلسة بلدية: “أنا عندي راجل يلمّني، انت معندكش راجل يلمّك”  (أنا لدي رجل يسترني وأنت ليس لديك رجل ليسترك)

أجابتها راوية حينها: “تقصدين، لأنني مطلّقة؟” فقالت الزميلة المعنّفة: “ايه مطلّقة وتدور في الشوارع.” (نعم مطلّقة وتتجوّلين في الشوارع)

وعد رئيس البلدية راوية باعتذار من المستشارة المعتدية. وحين لم تعتذر هذه الأخيرة، دخلت راوية في اعتصام لمدة 17 يوما ردّا للاعتبار. وتذكر راوية أنّ رئيس البلدية علّق على هذه الحادثة في الإعلام بسخرية عبر القول “عركة بين زوز نساء.” (ليست سوى معركة بين امرأتين). واعتبرت المستشارة هذا التعليق تمييزا ضدّها وضدّ جميع النساء.

“عركة بين زوز نساء”. ما تزال راوية عميرة تنتظر اعتذارا عن العنف اللفظي ضدّها.

ليس أعضاء المجلس البلدي وحدهم من يمارسون العنف على زميلاتهم والنساء داخل البلديات.

تعاني عضوات المجالس البلدية من عنف بعض المواطنين أيضا. حيث قام مواطن بتهشيم سيارة رئيسة بلدية جبنيانة السابقة جودة  الزغيدي وشتمها بسبب تنظيمها حملة لمنع الانتصاب الفوضوي.  أما نهى، المستشارة البلدية، فكثيرا ما سمعت من المواطنين عبارة “انتي طفلة وما تعرف شي” (أنت فتاة ولا تعرفين شيئا) يقذفونها في وجهها بصوت مرتفع ونبرة غاضبة.. كان الأمر صادما بالنسبة  لها. فكانت تقف متجمدة في مكانها في البداية، أمّا الآن فقد اعتادت على هذا النوع من العنف حسب تعبيرها.

كما تعرّضت راوية عميرة رئيسة لجنة النظافة والعناية بالبيئة ببلدية صفاقس سنة 2018 إلى عنف مادّي من قبل مواطن لم يتوان عن دفعها وإسقاطها أرضا على مرأى ومسمع من الجميع خلال جلسة تشاركية.

أمّا أميرة دباش، رئيسة بلدية الشيحية، فتذكر تعرّضها إلى العنف من مواطنة من بنات جنسها. إذ استهزأت هذه المواطنة بأعضاء لجنة البلدية الرجال قائلة لهم: “ستة رجال ما تسواو وشي مادام مرا تحكم فيكم ” (ستة رجال لا تساوون شيئا مادامت امرأة هي من تتحكّم بكم)

ترؤّس امرأة لبلدية أمر “مثير للحساسية”

مازال ترؤّس امرأة لبلدية يثير الحساسية والقلق لدى بعض الرجال والنساء، حسب ما صرّحت به جودة الزغيدي الرئيسة السابقة لبلدية جبنيانة. “أمر مثير للقلق” إلى درجة أن بعض المواطنين يردّدون في حضورها وغيابها أن “لو كان جا عنا رجال في جبنيانة راهو ما تشدش مرا رئيسة بلدية.” (لو كان هناك رجال في جبنيانة لما تقلّدت امرأة منصب رئيسة البلدية.)

تعاني آمنة بوعزيز، رئيسة بلدية قرمدة، من العنف جرّاء كونها امرأة رئيسة لبلدية.

جملة شبيهة لطالما سمعتها آمنة بوعزيز رئيسة بلدية قرمدة :”هوما الرجال وما حلوش المشاكل باش تحلهم انتي لمرا” (الرجال لم يتمكّنوا من حلّ المشاكل حتى تحلّها امرأة!)

 ليس المواطنون وحدهم من يواجهون مشكلة في تقبّل امرأة على رأس المجلس البلدي. بعض المستشارين داخل المجالس يجدون نفس الصعوبة على ما يبدو.

كان رئيس إحدى اللجان في البلدية، يمنع آمنة دائما من ترؤّس الجلسة ويبادر بالجلوس مكانها في كل مرّة خارقا بذلك البروتوكول الذي يقضي بترؤّس رئيسة البلدية لأي جلسة تكون حاضرة فيها.

كانت آمنة تنزعج دائما من هذا الإقصاء والتمييز في حقّها، لكنّها لم تكن تردّ الفعل تجنّبا لتعطيل سير العمل داخل الجلسات.

كما أن بعض أعوان البلدية كانوا يرفضون خروجها معهم للقيام بمهام ليلية أو لتفقد الأسواق مردّدين “انتي مرا.. ما تخرجش يا مدام.” (أنت امرأة. لا تخرجي سيدتي). 

لكنها كانت تتمسّك بالقيام بمسؤولياتها.

تناصف صوري وعنف غير معلوم لدى جهات الإشراف!

يقرّ الدستور التونسي في فصله عدد 46 أن الدولة تضمن  تكافؤ الفرص بين الرجل والمرأة في تحمّل مختلف المسؤوليات وفي جميع المجالات وتسعى إلى تحقيق التناصف بين المرأة والرجل في المجالس المنتخبة.

في المقابل، تقول رباب همّامي المكلّفة برصد العنف المسلّط على المستشارات البلديات في شبكة النساء المنتخبات إن هذا التناصف صوري.

وتشرح أنّه يقع غالبا تغييب النساء عن أغلب اللجان المهمة كلجنة الشؤون الماليّة والإقتصاديّة ومتابعة التصرّف مثلا وإسناد اللجان النمطية كلجنة شؤون المرأة والأسرة والمسنين للنساء. كما أن اختيار أوقات متأخرة للجلسات يعتبر أيضا شكلا من أشكال العنف والتمييز الذي يسعى لتغييب المرأة عن المشاركة في صنع القرار البلدي.

هذا وترى جودة زغيدي رئيسة سابقة لبلدية جبنيانة أن “التناصف هو أكبر كذبة تم اختراعها” وأنّه لا يعدو أن يكون شكليّا، وإن هو إلاّ “طريقة لخداع الرأي العامّ العالمي”. فالرجال، حسب تعبيرها، في النهاية هم من ينجحون في فرض الآراء وأخذ القرار.

ليست ولاية صفاقس الوحيدة التي تشهد بلديّاتها عنفا مسلّطا على النساء. كانت جدران بلديات في ولايات أخرى شاهدة على تعنيف النساء. عنف بلغ حدّ الاغتصاب.

 كل هذا في غياب دراسة دقيقة واحدة مخصوصة حول العنف في المجالس البلدية.

في إطار إنجازنا هذا التقرير، اتّصلنا بعشر نساء ناشطات/ عاملات صلب بلديات. وجدنا أنّ تسعة من بينهنّ  تعرّضن إلى العنف أثناء قيامهنّ بواجباتهن المهنية.

تواصلنا مع المندوبية الجهوية لشؤون المرأة والأسرة بصفاقس للحصول على إحصائيات حول النساء اللاتي تعرّضن إلى العنف في البلديات، فأجابتنا بنفي وجوده.

 “لم يتمّ إشعارنا بأي حالة عنف تعرّضت لها عضوة بلدية بشكل مباشر أو غير مباشر في كامل ولاية صفاقس”.

       

تنويه

أنجز هذا التقرير ضمن النسخة الثانية من برنامج "مراسلون"، مراسلو الديمقراطية المحلّية، من تنظيم المؤسسة الدولية للنظم الانتخابية (IFES) وسفارة المملكة المتّحدة بتونس.