حين دخلنا منزل شقيقته أين يقطن، كان “عزّوز” مستلقيًا فوق سريره قرب النافذة الكبيرة، لكنه بدا حزينا ولم يبادلنا التحية بذات الترحاب كما عوّدنا.

كانت الابتسامة غائبة عن شفتي الكهل/ الطفل دائم الابتسام. هنا، قصر هلال، مدينة تحت الحجر الصحّي كسائر مدن البلاد والعالم. ولأوّل مرة منذ سنوات طويلة، يحتفل عبد الحيّ بوغزالة بعيد ميلاده في إطار عائليّ مضيّق وهو الذي تعوّد أن تحتفل المدينة كلّها بذكرى ميلاده، وتتناقل صوره وأخباره مواقع التواصل الاجتماعي وعدد من وسائل الإعلام المحليّة والإقليمية. “أشعر بالملل الشديد من المكوث في البيت طوال الوقت”، قال عبد الحيّ بصعوبة “أشتاق كثيرا إلى المقهى وشرب القهوة مع الأصدقاء”. حاولنا تبديد ضيقه فمازحناه سائلين “أي، مالا وين القهوة؟” أجابنا وقد ارتسمت الابتسامة سريعا على محيّاه: “القهوة بعد الله أكبر… توّا صايمين”.

ولد عبد الحي بوغزالة أو “عزّوز”- كما يحلو للمقرّبين منه مناداته- يوم 28 أفريل من عام 1964، أي أنه أطفأ هذا العام شمعته السّادسة والخمسين وهو في صحة جيّدة عدا بعض الآلام على مستوى قدميه التي أعاقت حركته قليلا. وعلى خلاف ما دأب عليه طوال سنوات، لم يحظ هذا العام بعيد ميلاد شعبيّ بسبب إجراءات الحجر الصحّي الشامل ومقتضيات التباعد الاجتماعي.

يطلق التونسيون كنية”عزّوز” عادة على من يحمل اسم عبد العزيز. ويبدو أنّ هذه الكنية أو “التربيجة” أطلقت على عبد الحيّ من باب المعزّة الكبيرة التي يكنّها الأهالي له.

لا يشكو “عزّوز” من أمراض مزمنة ويعيش حياة طبيعية في كنف أسرته. كما أنّ من يعرفونه يجمعون على كونه حبيب الجميع كبارا وصغارا، يحتفي به الناس أينما حلّ ويسألون عنه إذا غاب ولو يوما واحدا.

هو دائم الابتسام، تجده في كلّ مكان… في المقهى والسوق والشوارع والدكاكين، وفي مقابلات النادي الرياضي الهلالي. كما لا يغيب عن الأفراح والأتراح مهنّئا أو معزّيا. حتّى أنّه استحقّ عن جدارة لقب “أيقونة المدينة” و”إبنها المدّلل”.

تَعَوَّدَ “عزّوز” أن تكون ذكرى ميلاده حدثا تُعدِّلُ قصر هلال ساعتها على موعده. فقبل حلول الموعد السنويّ بنحو شهرين أو أكثر تتكوّن لجنة من أبناء مدينة قصر هلال التّابعة لولاية المنستير تكون مُهمّتها الإعداد والتحضير ومن ثمَّ تنفيذ فعاليات ذكرى ميلاد المواطن “الاستثنائيّ” عبد الحيّ بوغزالة…

تَعَوَّدَ “عزّوز” أن تكون ذكرى ميلاده حدثا تُعدِّلُ قصر هلال ساعتها على موعده. صالح سويسي، إنسان

ففي الثامن والعشرين من شهر أفريل يحلّ اليوم الموعود وتَعُمُّ الفرحة أرجاء المدينة.

تبدأ مراسم الاحتفال بعيد ميلاد “عزّوز” باكراً. فيأخذه بعض رفاقه إلى “الحمّام العربي” ثمّ الحلاّق ليرتدي على إثر ذلك ثيابه الجديدة ويمسك باقة الورود التي ستلازمه حتّى نهاية الحفل.

ويطوف “عزّوز” شوارع مدينة قصر هلال على متن سيّارة فخمة أو فوق عربة تقودها الجياد. ويسير من حوله الكثير من الناس وأفراد فرقة فنون شعبية وأخرى للموسيقى النحاسية فضلاً عن كرنفال مُصغّر من السيّارات القديمة التي يعود بعضها إلى بدايات القرن الماضي. قبل أن يستقرّ في أحد المقاهي مثل مَلِكٍ مُتَوَّج ليستقبل التهاني والهدايا ويشارك في قطع قالب الحلوى الذي يُصنع خصّيصا من أجله.

ولاحقا، ينطلق الحفل الموسّع المفتوح لكلّ أهالي المدينة احتفاءً وتكريما للإبن المُدلّل، ليصعد عبد الحيّ على منصّة وُضعت في ساحة النافورة (ساحة وحديقة كبيرة في قلب مدينة قصر هلال) فيكون محطّ أنظار الجميع. ووسط حضور جماهيري كبير وأمام عدسات الكاميرات والهواتف المحمولة، تنطلق فقرات الاحتفال بكلمة افتتاحية يلقيها “عزّوز” نفسه لتليها مُراوحات موسيقية وغنائية يقدمها فنانون من أبناء المدينة.

عيد ميلاد المواطن عبد الحيّ بوغزالة حدث سنويّ في مدينة قصر هلال. إذاعة جوهرة أف أم

بملامح وجهه الطفولية يبدو عبد الحيّ بوغزالة أشبه ب”طفل شقيّ لا يكبر”. قد تُسعده كلمة جميلة، أو عناق، أو قبلة على جبينه. يُحبّ مداعبة أصدقائه وممازحتهم وتسميتهم بأسماء كثيرة…

وليست المعاملة الحسنة التي يحظى بها يوم عيد مولده أو في سائر الأيام مجرّد تقليد دأب عليه أبناء المدينة بقدر ما هي رغبة صادقة في إدخال البهجة والسرور على نفس هذا الطفل المدلّل “الذي لا يكبر أبدا”.

يصنع الأهالي في كلّ عيد ميلاد قالب حلوى خصّيصا لإبنهم المدلّل عزّوز. صالح سويسي، إنسان

وفي كل اِحتفالٍ بذكرى ميلاد “عزّوز” يعيد أهالي قصر هلال المطالبة باعتماد يوم عيد ميلاده يوماً وطنياً لحاملي “متلازمة داون”، واعتماد صورته رمزاً لذلك اليوم.

يقدّر عدد المصابين بمتلازمة داون بين 1 في 1000 إلى 1 في 1100 من الولادات الحية في جميع أنحاء العالم. ويولد كل عام ما يقرب من 3000 الى 5000 من الأطفال الذين يعانون من هذا الاضطراب الجيني، وفق منظمة الصحة العالمية.

يعتقد المقرّبون منه، أنه ما كان لعبد الحيّ بوغزالة أن يعيش هذه الأعوام دون تعقيدات صحية أو مشاكل نفسيّة لولا محبّة الناس وإحساسه بالأمان والاهتمام المتواصل من قبل أفراد عائلته أو من أصدقائه وسائر أبناء قصر هلال. حيث يشعر “عزّوز” دائما أنّه ابن المدينة بأكملها.

صورة حديثة ل”عزّوز” متوسّطا عددا من أصدقائه يبتسم لعدسة “إنسان”، صالح سويسي، إنسان

 

يعيش عبد الحيّ في إطار عائلي مميز، ولا يشكو نقصاً في أيّ من مستلزمات الحياة، بل على العكس؛ هو الأخ المحبوب داخل البيت وهو الإبن المدلّل خارجه بين الناس في أي مكان تأخذه إليه قدماه.

وهو يُعتبر من بين قلّة من حاملي “متلازمة داون” في تونس الذين نالوا حظّا وافرا من الاهتمام والرعاية والمحبّة جعلته يعيش حياته أقرب لمواطن ينعم بالصحّة لا تنغّص أوقاته إلاّ بعض استفزازات أصدقائه المتعمّدة في إطار مداعبته. لكنه عادة ما يردّ الفعل ولو بعد حين، فهو صاحب مواقف طريفة وجميلة، من ذلك ما يحدّثنا به رضا جمال الدين وهو أقرب المقرّبين لـ “عزّوز”.

يقول رضا إنّه صحب عبد الحيّ ذات مرّة إلى المستشفى لعيادة الطبيب، وحين كانت الممرّضة تخرج لتنادي باسمه كي يدخل قاعة الفحص كان  يردّ “عزّوز مش هنا” أو “عزّوز روّح” في محاولة للهروب من مقابلة الطبيب.

كما يذكر رضا أنّه حين سُرقت درّاجته النارية ذات مرّة، فوجئ بعبد الحيّ يدسّ في يده ورقة من فئة خمس دنانير ويهمس في أذنه “برّا اشري وحدة جديدة”.

وفي طرفة أخرى، استقلّ “عزّوز” مرّة سيارة تاكسي كما يفعل يوميّا ليعود لمنزل العائلة إثر خروجه لقضاء شأن من شؤونه، وحين بلغ مقصده نزل وأغلق باب السيارة وانطلق نحو باب المنزل. وبما أنّ السائق جديد ولا يعرفه ناداه بصوت عالٍ مطالبا إيّاه بمعلوم الركوب، فابتسم “عزّوز” وأجابه: “ياخي ما تعرفنيش؟ التاكسيات الكلّ متاعي.”

 

كان رضا يحكي لنا هذه القصص الطريفة عن عبد الحيّ فيما هذا الأخير يهزّ برأسه مبتسما. ابتسامة لم تفارقه حتّى لحظة وداعنا. إذ بدا أنّ الكهل/ الطفل نسي لسويعة ضجر الحجر الصحي وحزنه لتعطيل الجائحة فرحته السنوية. عندما بلغنا باب البيت، رفع “عزّوز” يده الصغيرة محيّيا ورقصت عيناه لوزيّتا الشكل رقصة عيني طفل في عيد ميلاده.