مع تباشير الصّباح الأولى، تفتح ابتسام البوابة االحديديّة لإسطبلها الكائن في منطقة بن بشير التابعة لولاية جندوبة متمتمة بدعائها المعتاد: “يا فتّاح يا عليم يا رزّاق يا كريم”. فعلى صاحبة المشروع الفتيّ أن تسابق الزمن لحلب الأبقار قبل وصول شاحنة التجميع. حركة دؤوبة لم تهدأ حتى في أوج الحجر الصحي العامّ بالبلاد. “ليس توفّر مقوّمات التباعد الاجتماعي في الأرياف وحده ما سمح للفلاحين بالعمل في فترة الحجر، بل لأنّ الفلاحة قطاع لا مجال فيه للتوقف أبدا. فالمواشي تطلب الكلأ كل يوم كما يجب حلب الأبقار في موعدها كي لا يفسد حليبها وتمرض”، تقول ابتسام القضقاضي.

اختارت ابتسام، ذات السبعة وعشرين ربيعا بعث مشروع تربية العجول والأبقار الحلوب بعد سنتين من دراسة العلوم الميكانيكية التي لم توفّق فيها… ولأنّ “ربّ ضارّة نافعة” أحيانا، فقد عادت الشابّة بعد الجامعة إلى مهنة الأسلاف مختارة تلقّي تكوين لعامين في طرق تسمين العجول.

ينحدر مربّو الماشية في تونس غالبا من سلالة فلاّحين قدماء ورثوا المهنة جيلا بعد جيل وورثوا معها ملكة الصبر والتجلّد. هم أناس لا يعتبرون العمل مجرّد كسب للقوت، لأنهم مرتبطون بأدوات رزقهم ارتباط الدّم. فمربّو الحيوانات البسطاء لا يحصلون على إجازات ولا يحتسبون الساعات التي يقضونها مع مواشيهم لأنها ذوات عزيزة عليهم كالأبناء…

يؤلّف بين هؤلاء المربّين، نساء ورجالا تضامن عضوي شديد، حيث غالبا ما تتقاسم العائلات أعباء تربية الحيوانات سواء في زراعة الأعلاف أو رعي المواشي أو حلبها أو تنظيف الإسطبلات والمرابض.

في الوقت الذي ألزم فيه قرار اعلان الحجر الصحي العامّ في تونس أغلب العمّال والموظفين بيوتهم أواخر شهر مارس الماضي، لم يتوقف أزيز آلات الحلب في إسطبلات الأبقار ولا ارتطام معاول الفلاحين بالأرض في الحقول ولم تغلق بوابة مربض واحد على الأغنام.

وعندما كان الاهتمام منصبّا على إمدادات الغذاء للمواطنين ومسالك التوزيع وضمان تزوّد الأسواق والمساحات التجارية الكبرى بالمواد الضرورية، كان الفلاحون البسطاء يسرعون دون صخب إلى محلاّت العلف لضمان قوت حيواناتهم، ويسوقون قطعانهم نحو المراعي في وقت معلوم من كل يوم في ذات دون أي تأثر بالوباء حيث تمنح الأرياف المساحة الكافية للتباعد الاجتماعي.

يجرّون الشمس من مخدعها

تأخذ الأبقار الحلوب حيّزا كبيرا في حياة أصحابها. ابتسام القضقاضي. إنسان

 

“لم تكن البدايات سهلة”، تقول الفلاّحة الشابّة، ولكنها تلقّت دعما من والدتها وأحد أصدقائها كان كافيا لتمضي قدما رغم العراقيل التي اعترضت طريقها.

لا تُخفي ابتسام حجم المسؤولية التي تستشعرها بضرورة المواظبة على تقديم العلف وضخّ الماء وتوفير الرعاية لعُجولها وبقراتها. ليس على مدار يومها الشاقّ فقط، بل على مدار الأسبوع والشهر والسنة…

بنبرة ساخرة، تقول ل”إنسان” إنها صارت تنسى موعدها الأسبوعي المفترض مع الحمّام وصالون التجميل. بل كثيرا ما تُحرم من حضور المناسبات العائلية الهامّة. كما تعترف بأسى أنها غالبا ما تحمّل جسدها ما لا يطيقه حتى في لحظات المرض والوهن. إذ نادرا ما تلجأ ابتسام إلى أختها أو أمّها لتعويضها كمعونة وقتية عارضة لا غير…

 تأخذ الأبقار الحلوب حيّزا كبيرا في حياة أصحابها فهي “كثيرة التطلّب، صعبة التعامل”. فأوقات الحلب مضبوطة مرتين في اليوم على أدنى تقدير… وكذلك هي أوقات العلف الذي يجب أن يكون ذا قيمة غذائية عالية ومكوّنات طبيعية وصناعية غنية وفق مقادير محسوبة جيّدا. مقادير حذِقتها ابتسام وقد خبرتها طوال هذه السنين.

 

يجب أن يكون علف الأبقار ذا قيمة غذائية عالية. صور عيسى زيادية، إنسان

 

يبحث الفلاّحون عن أراض سقوية لزراعة الأعلاف ومجابهة ارتفاع أسعار التبن التي تضاعفت هذه السنة جرّاء الاحتكار وشحّ الأمطار في فصل الشتاء. حيث ناهز سعر الكيلوغرام الواحد من العلف المركّب سعر لتر من الحليب أي حوالي ألف ملّيم (دينار واحد).

تطمح ابتسام اليوم إلى كراء عشر هكتارات من الأرض. وهو طموح تراه قابلا للتحقّق إذا ما تم منحها أرضا من بين المقاسم الدولية. لكنّها حرمت من التمتّع بها بتعلّة عدم إتمامها الثلاث سنوات من التعليم الجامعي. والحال أن المربّية الشابّة قضت سنتين في الجامعة علاوة على سنتين أخريين في التكوين في تسمين العجول.

تعتبر محدّثتنا أن في ردّ السلطات الرسمية حيفا كبيرا لا سيّما وأنها قد اختارت هذا الاختصاص وأتقنته وتعتقد “أنها أجدر من كثيرين مّمن حصلوا على المقاسم الدولية ولم يحسنوا استغلالها”، ولكنها “ضحية بيروقراطية مجحفة وقوانين ظالمة”، وفق قولها.

ويعتمد قطاع تربية الأبقار في تونس بنسبة 80% على صغار المربّين أي من يملكون أقل من عشر أبقار، ويكابد هؤلاء صعوبات جمّة في توفير العلف لاسيّما وأنّ أغلبهم لا يملكون أراض لزراعتها علفًا.

“مادام في العمر بقيّة”

على بعد مائة كيلومتر شرق العاصمة تونس، في منطقة وادي الخطف التابعة لمعتمدية قليبية من ولاية نابل، التقت “إنسان” مربّي الماشية في المقهى الوحيد في القرية. التذمّر وعلامات التعب كانا سمة المكان الذي غصّ بأجساد الفلاّحين الضخام ووجوههم الشاحبة من غبار الطرق الفلاحية الوعرة ومتاعب الاستيقاظ باكرا.

 لم تكن الساعة حينها تتجاوز الثامنة صباحا ولكن أغلب المواشي كانت قد عادت من المراعي نحو ظلال الزياتين أو الأسقف المهترئة احتماء من أشعة الشمس التي بدأ لظاها يستعر متمكّنا من أودية المنطقة وهضابها.

 في زاوية قصيّة من المقهى قابلنا بشير بن محمّد النمر، شيخ تجاوز الواحدة والسبعين من عمره. كان يفترض أن يكون رجل في سنّ الشيخ بشير قد أحيل على التقاعد منذ أكثر من عشرة أعوام… ولكنه كغالبية الفلاحين البسطاء لا يمتلك جراية تقاعد ولا تغطية اجتماعية أو صحية. أن يعمل كلّ يوم “مادام في العمر بقيّة” هو قدر الشيخ بشير إذن. كان بقية الفلاحين الساخطين في المقهى يهزّون برؤوسهم كما لو أنّهم يقولون بصوت راجل واحد: “وقدرنا جميعا”.

ما إن بدأنا الحديث معه، حتى شرع الشيخ بشير يعدّد مشاكل القطاع وقد غطّت سحنته علامات الضجر والتبرّم من الوضع. “عدا مشكل غلاء الأسعار، فإننا نعاني من سرقة المواشي وهي تعدّ الآفة الأشد أثرا على نشاطنا الفلاحي في الجهة”، يقول الفلاّح الشيخ متبرّما، قبل أن يضيف بسخط واضح “بل إنّ الغالبية منّا تتعرّض إلى السرقة حتى في وضح النهار… تصوّر!”

 

سرقت تربية الماشية وزراعة الحقول عمر العمّ بشير وصحّته. صور عيسى زيادية، إنسان

 

لم يعد بالإمكان ترك المواشي ترعى بمفردها. كما أنها ليست بمأمن من السرقة حتى وهي داخل الإسطبلات، ذلك أن العديد من الفلاّحين عانوا خلع محالّهم وسرقة مواشيهم. ورغم استنجادهم بالأمن فإنه لم يُقبض يوما على سارق واحد، يقول العمّ بشير، بل إنّ “ما يقع استرجاعه أحيانا يكون نتيجة دفع فدية للوساطات والشبكات ذات الصّلة بسارقي الماشية!”

وهكذا، دأب العمّ بشير على قضاء الليل مفترشا عتبة الإسطبل خشية تعرّض ماشيته للسرقة وفقدان مصدر رزقه الوحيد. بضعة رؤوس من الماشية ومساحة أرض بعلية ضيّقة هي كلّ ما يملك الشيخ الذي لا يزال في سنّ السبعين يعمل لإعالة نفسه وعائلته.

وعن أيّامه في الحجر الصحّي، يقول الشيخ:” لقد منحتنا فترة الحجر فسحة ضئيلة من راحة البال، ذلك أن معدّلات السرقة تراجعت جدّا”. ويعزو ذلك إلى “منع التنقل بين المدن وغلق أسواق المواشي حيث ما عاد السرّاق قادرين على بيع الماشية المسروقة كما في السابق”.

ويضيف: ” لقد كانت مواشينا قبل الجائحة تتعرّض إلى السرقة وتنقل مئات الكيلومترات لتباع في أسواق وأرياف أخرى وربما يتم ذبحها مباشرة وبيع لحمها ولكن الوضع الوبائي حدّ من حركة السارقين وحال قرار غلق الحدود بينهم وبين فرص التجارة في الأبقار المسروقة التي كان يصل عدد منها إلى القطر الجزائري”.

فلاّحو الكفاف…

“حياتنا على كفّ عفريت”، يقول عمّ بشير، شارحا أنه “قد تفقد مورد رزقك في بضعة أيام أو ساعات”. لا يتحدّث الشيخ هنا عن السرقة بل يسترجع في ألم حادثة نفوق أغلى رؤوس ماشيته ثمنا السنة الماضية. “لا شيء يمكنه تعويض تلك الخسارة حتى محاولاتي حاليا بتكثيف نشاطي الفلاحي وزراعة بعض أنواع البقول”.

التوقّف عن العمل يعني إهمال حيوانات لا يمكنها إطعام نفسها والسهو قد يؤدي إلى فقدانها. عيسى زيادية، إنسان

سرقت تربية الماشية وزراعة الحقول عمر الشيخ بشير وصحّته التي باتت في تدهور متواصل نتيجة الشقاء المستمرّ. فيما لم تمنحه في المقابل إلاّ كفاف العيش. “أنا في حالة ركض متواصلة لا أملك رفاهية التوقّف والاستقرار”، يشرح العمّ بشير “فأي توقّف يعني إهمال حيوانات لا يمكنها إطعام نفسها وأيّ سهو قد يؤدّي الى فقدانها تماما.”

لا يشعر الفلاّحون البسطاء بانقضاء أعمارهم لأنها تمضي في انتظار دائم لنزول الغيث أو مواقيت جمع المحصول أو مواعيد ولادة البقرة وتسمين العجل. مستقبلهم متروك للعناية الإلهية على الدوام، لا يتدخلون فيه إلا في حدود طاقتهم التي تصطدم بالكوارث الطبيعية وأوبئة الماشية وكساد الأسعار وأخيرا أزمة كوفيد 19.

تسبّب إغلاق أسواق الماشية كإجراء لمجابهة الفيروس وتراجع استهلاك اللحوم وتجارة العجول والخرفان في تراجع أسعار هذه الحيوانات نتيجة تكدّس المواشي المعدّة للتسمين في الضيعات. إجراءات كبّدت ملّاكها خسائر كبيرة جرّاء ارتفاع تكلفة العلف وتجاوز أعمار البيع المناسبة للربح.

“إن شاء الله يجينا خريف بدري”

أمضينا ساعة مع العمّ بشير قبل أن يلتحق بنا زميله صلاح الحلفاوي ويطلب المشاركة في الحوار: “لديّ الكثير لأقوله ولا يجب أن تمرّ زيارتكم للقرية هكذا.”

يخبرنا صلاح، البالغ من العمر أربعة وخمسين عاما، أنه فلاّح ومربّي خرفان منذ الثانية عشرة من عمره. يبدأ روتينه اليومي بالنهوض عند الساعة الخامسة صباحا. لا يحصل صلاح إلاّ على ثلاث إلى خمس ساعات من النوم فقط لأنه يواضب هو الآخر على حراسة قطيعه من السرقة.

ويضيف الى قائمة المشاكل الطويلة غلاء الأعلاف التي يستعملها وهي السداري والشعير المستعملان في تسمين خراف العيد. لا يتعدّى مدخول صلاح السنوي من هاته الأخيرة خمسة آلاف دينار في أفضل الأحوال. جعله هذا يلجأ الى تربية النحل وزراعة نبتة التبغ التي تشتهر بها المنطقة، ليصبح التناوب على القطاعات الثلاث أمرا منهك ولكنه “شرّ لا بدّ منه”.

صلاح الحلفاوي، كهل في الخمسين، يربّي الخرفان منذ سنّ الثانية عشرة. صور عيسى زيادية، إنسان

ولأن لكل فصل مشقّته، فإن قيظ الصيف يقابله فيضان الأودية في الشتاء وغرق المسالك المؤدية لمناطق الرعي ما يجعل من الوصول إلى المراعي عبر الأودية مهمّة شديدة الخطورة بسبب تلوّث الأودية بمياه محطة التطهير القريبة والخوف على الماشية من أن يجرفها التيّار.

 يطالب صلاح السلطات المحلية بتعجيل جهر الأودية المهملة منذ سنوات، قبل حلول فصل الخريف وإيجاد حلّ لتسرّب مياه الصرف الصحي إلى الأودية ومنه الى السدّ مصدر سقي المنتجات الفلاحية، محذّرا من الخطر الصحّي للاستهانة بعطب مضخة محطة التطهير وتجاهلها.

تسبّب انسداد الأودية العام الماضي في إغراق محصول صلاح من التبغ وقتل شجيرات الزيتون الفتية. وهو يخشى أن تتكرّر الكارثة الموسم المقبل أيضا خاصّة في غياب تفعيل صندوق تعويض الفلاحين “الذين يواجهون كل المخاطر عزّلا”، وفق قوله.

ويعتقد صغار المربّين مثل صلاح وابتسام والعمّ بشير أنّهم يبقون الحلقة الأضعف حينما تتحوّل مطالبهم إلى مساومات بين السلطة وكبار مصنعي الحليب والأجبان وموّردي اللحوم.

تدور قصص صغار مربّي الماشية حول ثنائية الشغف والبساطة، فرغم الكمّ الهائل من التعب وضعف العائد المادي لا بديل لهم عن تربية الحيوانات يحدوهم الأمل دائما بسنة قادمة أفضل…

 أمل يرتقي إلى درجة الإيمان الراسخ والمتوارث لدى الفلاّحين تلخّصه مقولتهم الشهيرة “إن شاء الله يجينا خريف بدري” أي نرجو من الله أن تهطل أمطار الخريف باكرا وبغزارة فينبُتَ الكلأ.