تعرّفت على آمال بوشيبة عبر الفايسبوك. كنت أبحث عن تونسيين وتونسيّات مقيمين في سويسرا لأحكي قصصهم في غربة إنسان. سأدرك لاحقا أنّ لقائي بهذه المرأة سيجعلني أفكّر في بعث فقرة جديدةللمنصّة. فقرة استوحيتها من قصّة آمال وستكون هي أولى أبطالها.مشينا معا عبر شوارع المدينة القديمة في بيرن (Bern). تحدّثنا عن تونس وسويسرا وضحكنا كثيرا. لم يحدث أن ضحكت بهذا القدر منذ وصولي إلى هذا البلد. كانت درّة، ابنة آمال، تقاطع حديثنا كلّ حين لتذكّر والدتها برغبتها في السباحة في نهر آر (Aare). لم تكن البنت، التي لم تتجاوز العاشرة من عمرها وتتحدّث بالفعل أربع لغات، تعلم حينها أنّ حادثة صغيرة ستحرمها ذلك المساء من تحقيق رغبتها.

وصلنا عند مطعم محاذ لحديقة الدّببة. اقتنينا بعض المشروبات وجلسنا نتحدّث كما لو أننا نعرف بعضنا منذ زمن طويل. بلهجة جنوبية تونسية تشوبها عبارات وجمل فرنسية، حدّثتني آمال عن قدومها إلى سويسرا مع عائلتها قبل نحو 20 عاما. لم تكن السنوات الخمس الأولى سهلة بالنسبة للشابّة التونسية، فبعد سنة واحدة على هجرتها وعائلتها إلى هنا، جدّت أحداث 11 سبتمبر وبدأت معاناة آمال مع الإسلاموفوبيا. “لكنّني نجحت في أن أعيش التجربة السويسرية كلقاء ثقافيّ عوضا عن الصدمة الثقافية”.

دخلت الشابة الجامعة مباشرة وساعدها إتقانها اللغة الفرنسية على التأقلم بسرعة.

درست آمال علم النفس الاجتماعي وعلم الاجتماع. كانت ترغب أن تسمح لها شهادتها بالعمل في مجال ذي صبغة إنسانية. وهكذا كان. بعد تخرّجها، بدأت في العمل مرشدة اجتماعية لدى إقليم بيرن ثمّ إقليم نيوشاتيل. لكنّ شيئا ما كان ينقصها. “صحيح أنّني كنت أساعد المواطنين السويسريين المحتاجين، غير أنني شعرت بأن هناك من يحتاج مساعدتي له بشكل أكبر”.

قلّصت آمال من ساعات عملها وعادت إلى مقاعد الجامعة. هذه المرّة، درست الماجستير في الهجرة والمواطنة وحصلت على الشهادة في 2016. صار لديها “شرعية” الوصول إلى فئات أكثر احتياجا للمساعدة هم المهاجرون.

لم تعش آمال الصدمة الثقافية إذن، لكنها اصطدمت بواقع سوق الشغل. “أدركتُ أنّ الشخص ذي الأصول المهاجرة لا يملك الحظوظ ذاتها في سوق الشغل. وأنّ تلك الحظوظ تتناقص عندما يكون المهاجر امرأة. لا تزال المرأة العاملة السويسرية مضطهدة حتى الآن، فما بالك لو كانت امرأة مهاجرة عربية ومسلمة؟”

فتحت حقيقة الميدان عيني آمال ووسّعت أفق طموحها المهني. فوجدت نفسها تبحث من جديد عن عمل يتوافق مع مواقفها تجاه مسألة الهجرة واللجوء. “كنت دائمة طفلة متمرّدة. أطرح الكثير من الأسئلة. وصعوبة الحياة في سويسرا والبحث عن عمل جعلاني “نشدّ الصحيح” (أتمسّك أكثر بخياراتي). لطالما أحببت تقديم المساعدة، وعندما تعيش وضعا صعبا كمهاجر يبحث عن نفسه ويربو إلى تحقيق ذاته، فإنك بلا ريب سترغب في مساعدة غيرك ممّن يخوضون التجربة نفسها”.

بحثها عن نفسها وعن تحقيق ذاتها أخذها مجدّدا إلى الجامعة لتدرس الماجستير الثاني في علم الأديان المقارن. “جئت إلى سويسرا حاملة كلّ ذلك التعصّب لما هو تونسي وما هو أبيض. لكنّ دراستي الجامعية في علم الأديان المقارن جعلتني أنفتح على الأديان الأخرى وعلى الناس”.

راكمت آمال خلال سنواتها العشرين في سويسرا شهادات جامعية عليا كثيرة وتجارب مهنية أكثر جمعتها خلال 12 عاما بمئات المهاجرين واللاجئين. عن سبب اختيارها هذا المسار المهني تجيب التونسية المقيمة في مدينة بيان (Bienne) السويسرية :”الحياة نفسها، ومسار الهجرة الذي خضته وكلّ العثرات التي اعترضتني في طريق  البحث عن عمل كامرأة مهاجرة”.

تريد آمال أن تصل إلى كل المهاجرين وخاصّة منهم المتقوقعين على أنفسهم. أمل المكّي، إنسان

“وماذا عن سمسم؟”، سألتها. فحدّثتني مبتسمة: “في أحد الأيام من عام 2017، كنت في الجامعة مع مجموعة من الطلاب جميعهم من المهاجرين. وكنا نقول إنه يجب وقف التمييز الذي نواجهه. تهاطلت الأفكار والمقترحات فرأينا ساعتها ضرورة تأسيس جمعية تعنى بالدفاع عن حقوق الأشخاص المهاجرين ذوي الكفاءة العالية”.

أدركت آمال وأصدقاؤها لاحقا “أنّ سويسرا ليست عنصرية. سويسرا فقط لا تحبّ الفقراء”، حسب تعبيرها. لذلك استقرّ رأيهم على بعث جمعية تعنى بالمهاجرين جميعا وخاصة منهم الأكثر هشاشة وفقرا. فكان سمسم: المركز الاجتماعي لمساعدة المهاجرين (Centre Sociale d’Aide aux Migrants)

فتحت آمال قلبها وأبواب “سمسمها” للمهاجرين وطالبي اللجوء. حدّثتني بشجون كبير عن المهاجرين وطالبي اللجوء الأكراد. “من بين الجنسيات العديدة التي تعاملت معها في عملي الرسمي أو ضمن مركز سمسم، كان الأكراد الأكثر تأثيرا بي لأنهم يعيشون معاناة مضاعفة. فهم عندما يقدمون إلى سويسرا لا يتمّ اعتبارهم أكرادا، بل يجدون أنفسهم حبيسي جنسية الدولة التي هربوا منها أو غادروها كسوريا مثلا! كذلك، تؤثّر بي قصص المهاجرات الكرديات خاصة منهم اليزيديات اللواتي عشن تجارب مريرة مع العنف والاستغلال الجنسي”.

جنسيات أخرى تركت أثرا لا يمحى في نفس آمال. فقد تعاملت مع نساء وفتيات من جيبوتي والصومال وأريتريا عشن تجربة الختان. “تلك الممارسة تجعلهنّ تحت أثر الصدمة، حتّى أنّهن يرفضن الذهاب إلى طبيب النساء والتوليد لأنهنّ يعشن ما يشبه حالة الإنكار لما حدث لهنّ ولأجسادهنّ”.

هالني ساعتها أن أعلم من محدّثتي بأنّ هذه الممارسات داخل المجموعات المذكورة تحدث حتى في سويسرا! شرحت لي آمال أنّ رفض الأهالي عرض بناتهنّ على طبيب النساء والتوليد يثير الشكوك لدى مصالح الإرشاد الاجتماعي فتلوّح بوقف المساعدة الاجتماعية للعائلة في حال امتناعها عن أخذ ابنتها للطبيب. “وساعتها يأتينا الخبر اليقين ونعلم أنّ الطفلة قد تعرّضت للختان بالفعل. ولحسن الحظّ، تمكّن الأطباء في كثير من الحالات من ترقيع الختان للفتيات الصغيرات”.

سألت آمال أيضا عن تجربتها زمن الحجر الصحي الشامل. أخبرتني عن الصباحات المبكّرة في محطات القطار شبه الفارغة. عن إصرارها على الخروج إلى العمل يومين في الأسبوع. في الحجر، كانت آمال، الأمّ لبنت وولد رضيع، تتواصل مع منظوريها عبر الهاتف وتزور عددا آخر منهم في بيوتهم. كما ساهمت في إطار قناة دياسبورا السويسرية، في إنتاج مقاطع فيديو توعوية ناطقة بـ16 لغة مختلفة. “كنّا نستهدف الأشخاص الذين لا تصلهم المعلومة حول سبل الوقاية من الجائحة بالدقة نفسها التي تصل بها لمتحدّثي اللغات الرسمية في سويسرا”.

بدأنا في جمع أغراضنا قصد الذهاب إلى مكان آخر لتناول العشاء معا. انتبهتُ حينها إلى فقدان هاتفي الجوّال. أدركت أنني تركته في دورة المياه بالمطعم. وانطلقت رحلة البحث. لم نجد الهاتف أين تركته ولم يذكر أحد من العاملين الذين سألناهم أن رأوه أو جاءهم خبر بشأنه. لم أشعر بالهلع أوّل الأمر. على العكس، كان هناك تفصيل جعلني أستغرق في الضّحك… ففي سبتمبر من العام الماضي، جئت إلى هذا المطعم بالتحديد، وفقدت هاتفي الجوّال في المكان نفسه. دورة المياه!

كانت درّة وآمال تبحثان معي وتسألان كل من يعترضهما. مرور الوقت جعلني أدرك حجم الفاجعة. كلّ عملي مرتبط بذلك الهاتف ومسجّل عليه. وهو ليس مرتبطا بشبكة الإنترنت، فكيف يمكنني تحديد موقعه؟

جعلت آمال تتّصل بي على رقمي التونسي. كان الهاتف يرنّ ولا مجيب… حينها طلبت منها أن تتصل بالشرطة علّها تساعدنا في العثور على الهاتف المفقود. أنهت محدّثتي المكالمة وأخبرتني بنبرة ساخرة “هناك تطبيق أشارت عليّ صديقة بتنزيله للبحث عن الهاتف. أما الشرطة فقد قالت لي إنّ شراء هاتف جديد سيكلّف أقلّ من البحث عنه”. بدأت أفقد الأمل. لا بدّ أن القدر يريد أن يوصل لي رسالة ما. ليس في كلّ مرّة تسلم الجرّة! هل يعقل أن أفقد هاتفي مرتين في المطعم نفسه؟

قبل المغادرة، أخذت درّة معي في محاولة أخيرة للبحث. لم نترك أحدا من النّدل والعاملين إلا وسألناه. وهذه المرّة، أخبرنا أحدهم بأن لديه هاتفا مفقودا في صندوق الأمانات! يا لعطف السماء! لم يتطلب مني الأمر كثيرا لأثبت للرجل أنني صاحبة الهاتف. أدخلت الرقم السرّي. فتحت الشاشة الرئيسية. فابتسم لي الرجل ومدّني بالهاتف راجيا لي قضاء أمسية رائقة.

نعم… كانت أمسية رائقة رغم أن ضياع هاتفي فوّت على درّة الجميلة فرصة السّباحة في آر!

سألتقي آمال بوشيبة مجدّدا بعد ذلك اليوم في مقرّ جمعيتها ببيان (Bienne). وسأتعرّف فيه على وجوه من البرازيل وفلسطين ولبنان. جنسيات مختلفة وخلفيات متنوّعة يجمعها مكتب صغير دافئ دفء ابتسامة آمال التي لا تفارقها.

 في “سمسم” سأجد أجوبة كثيرة على أسئلة ترهق تفكير كلّ قادم جديد إلى سويسرا. لكن لِم العجلة؟ ستصلكم أخبار ذلك اللقاء في بودكاست قريب على “إنسان”. في الأثناء، هذه لمحة صغيرة عمّا قالته آمال في حوارنا.

تنويه