كانت المرّة الأولى قبل الثّورة : إنّها نهايات شهر أفريل.. كان الربيع في متناول كل يد، بل ربيعا يحاول أن يصيّر نفسه لغة تحبس الذكرى لتطلقها عند اكتمالات القمر…إذ لم يبقى للتونسيين في ذاك العهد إلا التأمل وكتابة الشعر بعد أن انكفأت السياسة وخفت بريقها في البلد…

كان يوما تونسيا يشبه الأيّام السالفة والناس في طوابير طويلة تنتظر الدخول لمعرض تونس الدولي للكتاب طلبا للفن والثقافة والفكر… بحثا عن بياريق أمل بين الكتب… نعم بين الكتب ، إنهم يعيشون هذه العادة الجميلة لأزيد من عشرين عاما بالرغم أن سلطة بن على كانت تحاصر العناوين والكتاب وتمنع استضافة المفكرين و الأدباء الذين قد يوقدون جذوة الحرية والانعتاق داخل مجتمع أصبحت كل عاداته رتيبة مملةّ…

كنت بالصدفة داخل صالة الندوات الكبرى بالطابق العلوى لقصر المعارض بالكرم أتابع لقاء لم يقع إدراجه مسبقا ضمن الأنشطة الثقافية الموازية للمعرض والمعلنة رسميا لعامة الناس… اللقاء كان مخصّصا لأول طيار تونسي  قاد طائرات الخطوط التونسية في بداياتها وخيّر الإقامة بفرنسا بعد تقاعده وأصدر كتابا مهمّا حول تاريخ الطيران في تونس عنوانه ” أجنحة الرّجال “، هذا الرجل إسمه “بوراوي بن علي” الذي اكتشفنا حينها أنه شقيق الرئيس زين العابدين بن علي…

كان اللقاء ممتعا مع الطيار الأنيق ذي الشعر الفضي والذي بدا رصينا وصاحب ثقافة عالية ومتحدثا عن تونس بحبّ جارف دون أن يذكر شقيقه الرئيس ولو بكلمة واحدة… وفجأة تحرّك جمع من الرجال  كانوا يتابعون اللقاء  في اتّجاه الباب دفعة واحدة،  لأفهم مباشرة أنهم رجال أمن بأزياء مدنية… كانوا متوترين بعض الشي … وكنت قريبا من باب القاعة فتناهى إلى مسمعي اسم “لينا بن مهني” ينطق به أحدهم …

خرجت بهدوء لأجد رجال الأمن يقفون كجدار أمام منفذ القاعة متفرّسين في الوجوه كما توجه آخرون الى الباب الخارجي… نظرت من فوق إلى اسفل لأشاهد لينا بن مهني تدلف معرض الكتاب رفقة بعض الشباب.

 كانت قصيرة القامة ترتدي بنطلون “جينز” أزرق وحذاء رياضي وشعرها مسدلا، بكامل سواده… كانت غير مبالية لا ب”أجنحة الرجال” ولا شقيق الرئيس…

 انتهى اللقاء ولم تأت ” لينا ” إلى الطابق العلوي، ولم تشوّش على شقيق الرئيس ولا على حدث تقديم الكتاب كما توجّس رجال الأمن بأزياء مدنية. لقد توجّهت لينا صوب الكتب، لقد تعلّقت همّتها في تلك اللحظة بشميم الحبر ورحيق المطابع، لقد كانت ” لينا ” تعتقد راسخة أن القراءة والكتابة هما محرّكا كل شيء نحو التغيير الأجمل والأسمى. إنهما سوناتا الحالمين بحصّتهم من مطر الحريّة…

تشرّبت لينا بن مهنّي، الغزال االشارد، العناد الحرّ والوعي السياسي في مناخات البيت. يادن سفآت

لينا بن مهني التي ولدت سنة 1983 تعتبر من الناشطين الحقوقيين الشرسين رغم حداثة سنّها فهي التي وقفت بشجاعة، كصفصافة في مواجهة ريح عاتية وعارضت سياسة حجب المواقع على شبكة الانترنات زمن الاستبداد.

 لقد كانت تبحث عن أرض سماوية للتونسيين… لقد كانت أفلاطونية الى حد الاحتراق داخل برية الذئب…

فأسّست بكل شجاعة مدوّنتها الشهيرة ” بنيّة تونسية ” خلال سنة 2007  أين تحوّلت إلى صوت من لا صوت له من النشطاء الشباب والسياسيين الأحرار والنقابيين الخلّص الذين تحوّلوا الى أشباح ومنهم من مات واقفا كشجرة بعد أن سلبهم نظام بن علي إمكانات الاستعارة…

كما كانت ” بنية تونسية ” ريحا في اتجاه الشرق و الغرب تؤرّخ لمنفى الوطن داخل الوطن وتقتلع بحدبات الأقلام مغالق الأكسيجين ليمرّ نور الحرية الغامر للبلد الأسير…

” لينا ” تلك الزهرة البرية أو ” الغزال الشارد المتمرّد العنيد ” في وصف بهيّ صادق ” لحمّة الهمّامي ” وهو من هو في النضال واليسار… تشرّبت العناد الحرّ  والوعي السياسي وقضايا المجتمع والقدرة على التفكير السليم في مناخات البيت مع والدها ” الصادق بن مهني ” المعارض البارز  لسياسات الرئيسين السابقين الحبيب بورقيبة  وزين العابدين بن علي وهو أيضا أحد أعمدة الفرع التونسي لمنظمة العفو الدولية وأحد المتشبثين الأشاوس بقيم حريّة التعبير بل ويعتبرها مشكاة لا ينكفئ نورها عن بلده تونس…

” لينا ” رأيتها مرّة ثانية وإلى الأبد..

 كان ذلك بعد الثورة .. وقد كانت الأقدار وفيّة  لنهايات شهر أفريل  حيث الربيع منهمك هذه المرّة بنسج شال من أثير الحرية لشعب عاد من أقاصي المنفى داخل الوطن … في ذلك اليوم كان التونسيون يمارسون عادتهم الجميلة وهي الوقوف في طوابير طويلة من أجل اقتناء الكتب.

 كان قصر المعارض بالكرم مزدحما، وفجأة وجدتني أقف وجها لوجه مع ” لينا بن مهني ” الغزال الشارد العنيد… لقد استلّها القدر أمامي لأراها للمرة الأخيرة. لقد كانت شاحبة على غير العادة لكنها متوهّجة، وغائمة لكنها وضّاءة، ومعتمة لكنها زجاجية كقمر…

 كانت يداها تمتدّ لكتب باللسان الفرنسي تقلّبها بحنوّ وأنات… لقد استبدّ بها المرض لكنها تومض كالبرق… اقتربت من شبيهة الأساطير فاعترض حارسها الشخصي خطواتي.. لكنّها منحتني اللقاء العابر:

ــ أهلا يا سماوية .

ــ مرحبا …

ــ لم الخفوت والذبول ؟

ــ “هذه الأرض مثل سحاب خفيف “

ــ لقد صرت بحارس أو ما يشبه القصيدة قبل الكتابة ؟

ــ لا زلت أغني على ضفة النهر على إيقاع دوران الأرض وكلما تشرق الشمس تجدني باسمة…

ــ والثورة ؟

ــ مستمرّة  ” كسنبلة تملأ الوادي سنابل… “

كان اللقاء سريعا وساحرا كخفقة فراشة لكنه بقي معلقا في الذاكرة كقنديل أخضر.

 أمّا المؤلم والمحزن فهو أن ” لينا بن مهني “، ذاك الصوت الصدّاح زمن الدكتاتورية بات يتجوّل محروسا في زمن الحريّة وعلى أرض دافع على حصونها كما لم يدافع عنها أحد من قبل وذلك جرّاء تهديدات  المتشددين الدينيين والاقصاء السياسي والإيديولوجي  الذي استشرى في البلد وطال بن مهني وهي التونسية الوحيدة التي تم ترشيحها لنيل جائزة نوبل للسلام…

 لكن عزيمتها كانت أقوى وأعتى وهو ما رشّحها  سنة 2014 لتكون ضمن ” أشجع مدوّني العالم ” من قبل الموقع البريطاني ” ذي دايلي بوست ” (The Daily Post).

 كما واصلت لينا نحتها لأحلامها  بلا كلل ولا ملل ك “بنيّة تونسية ”  فانشغلت خلال أيامها الأخيرة قبل أن يداهمها المرض في جانفي 2020 بخلق شبكة من المكتبات داخل السجون التونسية اعتقادا منها أن ” الحكمة يمكن أن تأتى ونحن على حافة البئر ” .

“لينا، “نحن نحنّ إلى خبز روحك” كما تحنّ الطيور إلى أوكار البدايات. لكن مآثرك معبدنا. أشجارنا جاهزة للانحناء على قبرك الذي تحوّل ترابه إلى لغة تدركها القرى البعيدة لهذا الوطن الجافل…

” لينا ” على فرس من شعر نسافر إلى بيتك السماوي ونجلس على حافة الشرفة ونرتق أحزان الوطن شرنقة شرنقة فيحمرّ الرّمان في الشمال ويتسامق النخل في الجنوب…

” لينا ” رأيتها مرّتين  بين الكتب ، لكنها سرعان ما تحوّلت الى كمنجة هزّها هسيس أوتار التاريخ .

تنويه