“مدين للرّصيف بحياتي، لأنه غيّرها… قبله كنت أعاني الحرمان واليوم بفضله صرت قادرا على إعالة نفسي وعائلتي.” إدريس الفرجاني، شاب ذو إعاقة حركية إلتقيناه على حافة أحد أرصفة مدينة صفاقس.

تنقلنا إلى مدينة صفاقس، ولأنها مدينة تستيقظ باكرا اخترنا الذهاب إليها في ساعات النهار الأولى، وكانت كعادتها مليئة بالحركة والحياة. الجميع فيها يركض نحو وجهة لا يعلمها إلا صاحبها.

صفاقس أيضا هي المدينة التي انطلقت منها حملة “سيب الترتوار” (اترك الرصيف) الشهيرة، وهي حملة أطلقها الناشط في المجتمع المدني زياد الملولي يطالب من خلالها بتطبيق القانون ومعاقبة من يحتكرون الأرصفة المخصّصة للمترجلين. وأخذت المبادرة صدًى واسعا وانتقلت إلى ولايات تونسية أخرى لترفع نفس الشعار.

“سيبوا الترتوار” أعيدوا الرصيف

“أردنا إعادة الرّصيف للمترجلين، عشرات الحوادث المميتة يتعرّض لها المواطنون بسبب احتلال المقاهي والمطاعم والباعة المنتصبين دون ترخيص للملك العمومي.” هكذا صرّح زياد الملولي لإنسان. قضينا صباحنا في التجوّل في صفاقس المدينة ومعاينة أرصفتها التي كانت، كما وصفها الملولي، محتكرة إما من قبل المقاهي والمطاعم أو مستغلة من طرف الباعة المنتصبين دون ترخيص والمتسوّلين.

خلال جولتنا اعترض “رصيفنا” أمير دوزي، شابُُّ عشريني نحيف وطويل القامة يرتدي نظارات طبيّة تكوّن الضّباب على عدستيها نتيجة للبخار المتصاعد من الحلوى المحلية التي يعدّها. هي حلوى متكوّنة من الفول السوداني والسكر يبيعها للمارة.

“أحب عملي لكني أتعرض لمضايقات متكرّرة من قبل البلديّة”. صور حكمة مصدّق، إنسان

يقول أمير:”بدأت العمل في سنّ 13 سنة، كنت فاشلا في الدّراسة فقررت الانقطاع ومساعدة والدي في عمله… أنا أحب عملي لكن أتعرض لمضايقات متكرّرة من قبل البلديّة التي أحيانا تفتك عربتي أو تعاقبني. في هذا الزمن ليس من السهل إيجاد عمل آخر دون تكوين دراسي لذلك أنا متمسك بهذه العربة وبالرّصيف وأتمنى أن تمنحني البلديّة رخصة.” هكذا تحدث الشاب عن عمله بينما كان يحرك عجينة الحلوى في القدر.

“قرارات لا تنفذ لعدم توفر الامكانيات أو لأسباب أخرى”

تواصلنا مع منير اللومي رئيس بلديّة صفاقس لمعرفة الإجراءات التي تعتمدها البلديّة في التعامل مع ظاهرة استغلال الرّصيف العمومي.

“نحن نعطي رخصا مؤقتة للباعة أصحاب الامكانيات الضعيفة شرط احترام مبدأ استغلال الثّلث فقط من مساحة الرّصيف، وحين يقع التجاوز نصدر قرارا بمعاقبة المخالفين، لكن التّنفيذ يتوقّف على الشّرطة البلديّة التي أحيانا لا تنفّذ القرارات بسبب عدم توفّر الإمكانيات أو لأسباب أخرى. أما بالنسبة لمن يستغلون الرّصيف من أجل التسوّل، فقد أصدرنا قرارا يمنع التسوّل في كامل الدّائرة البلديّة. التسوّل ظاهرة غير لائقة تضرّ بالمظهر العام للمدينة وتهدد سلامة المواطنين أيضا.” يقول اللومي.

على بعد أقلّ من 100 متر على مقرّ بلدية صفاقس، كانت لمياء (اسم مستعار) ترتدي جلبابا داكنا ممزّقا وتفترش ورقة كرتونيّة وتتّكِئُ على حائط مدرسة إعدادية. طيلة حديثنا معها كانت تغطي وجهها بحجاب ترتديه. أخبرتنا أنّها فاقدة للسّند ولديها 3 أطفال وما من معيل لهم. مرضها المفاجِئُ جعلها غير قادرة على الحركة بسهولة فأصبحت حياتها وحياة أطفالها تتوقف على ما تجود به أيادي “المحسنين”. بينما كنا نتحدث معها جاء طفل لا يتجاوز عمره 10 سنوات وقدم لها كيسا ورقيّا يحتوي على بعض الأطعمة ليتبيّن لنا أن ذلك الطفل ابنها.

يمنع الفصل 171 من القانون الجنائيّ التّونسي التسوّل، وينصّ على عقوبات تصل إلى ستّة أشهر لكلّ من يتحايل على النّاس ويكذب عليهم كي يحصل على الصّدقة وترتفع العقوبة إلى عام كامل إذا كان المتسوّل يستغل طفلًا للتأثير على المارّة. في المقابل يبقى السّؤال المطروح: هل تقدم الدولة حلولا بديلة لضمان قوت من يصفهم القانون بالمتسوّلين/ات؟

الرصيف يحفظ ماء الوجه

إدريس الفرجاني، شاب ثلاثيني ذو إعاقة حركية، لم تفارق الابتسامة وجهه طيلة حديثنا. ومثله مثل العديد من شباب تونس الذين يعانون البطالة يحلم بعمل يحفظ له كرامته. يقول إنّه لا يرضى على نفسه التسوّل، لذلك اختار بيع المناديل الورقيّة على الرّصيف لأن إعاقته تحول بينه وبين أي عمل يتطلّب مجهودا بدنيّا.

“مدين للرّصيف بحياتي، لأنه غيّرها”. صور لحكمة مصدّق، إنسان

 

إدريس متزوّج وله طفل يبلغ من العمر 5 أشهر، ومن أجل إعالة عائلته يعمل يوميا من الساعة الثّامنة صباحا إلى الساعة التّاسعة ليلا. لا يتغيب الشاب عن الرصيف طيلة أيام الأسبوع ولا يوقفه عن عمله برد قارس ولا شمس حارقة لكن ما يوقفه أحيانا هو أعوان البلدية أو الأمن الذين يفتكون بضائعه.

يقول إدريس إن مهنته على بساطتها حفظت له ماء وجهه وإنه يرفض أن يأخذ المال من النّاس دون مقابل ويصرّ على أن يبيعهم المناديل، “إلا أن بعضهم يشفقون عليه ويتصدّقون بالمال دون أن يشتروا منه شيئا” حسب تعبيره.

إدريس ليس الشاب الوحيد الذي يقتات من الرّصيف، محمد (اسم مستعار) اضطرّ بدوره للعمل كحارس سيّارات دون ترخيص. وينحدر الشاب الذي يقف على جانب الرّصيف لجني دينار واحد عن كلّ سيارة، من عائلة مفقّرة بحامة قابس، وكان انتقل إلى صفاقس للبحث عن عمل.. بحث انتهى به إلى عمله الحالي علّه يتمكّن من تغطية نفقاته.

“كل ما أطلبه هو العيش في سلام وراحة بال”. صور لحكمة مصدّق، إنسان

يقول محمد واصفا ظروف عمله: “الجميع يحبّني هنا، كل ما أطلبه هو العيش في سلام وراحة بال دون تضييقات من البلدية، أنا لا أضرّ بأحد.. أقضي السّاعات في حراسة أملاك الناس، في البداية لم أفهم سبب مضايقتهم لي. أما حاليا فلا أواجه مشاكل إلاّ نادرا لأنهم غالبا ما يغضّون عنّي النّظر.”

ويعتبر محمّد واحد من بين مئات تركوا مدنهم الصغيرة وانتقلوا لمدن كبرى للعمل لكنّهم وجدوا أنفسهم يتسوّلون على حافة الرصيف. فجميع من التقينا بهم، سواء قبلوا مشاركة قصصهم أو رفضوا، ينحدرون من مناطق داخليّة.

ويؤكد هذه النقطة الباحث في علم الاجتماع فؤاد غربالي، قائلا إن أغلب من يحتلون الرّصيف العمومي في المدن الكبرى كتونس وسوسة وصفاقس قادمون من مناطق داخلية هجروها بعد أن عانت من التهميش.

وينتقل أهالي المناطق الداخليّة للمدينة، وفق تفسير الغربالي، من أجل العمل في تجارة معينة أو من أجل التسوّل. ويعتمدون ما تسمى بسياسة الشارع، إذ يستغلون أماكن على ملك الدولة ويحوّلونها إلى أملاكهم الخاصّة ثم يتفاوضون عليها مع الدولة عبر عقد علاقات مع البوليس ودفع رشاوى.

ويضيف محدثنا: “ورغم الخطابات المعادية لهم فإن الدّولة ليس لديها بدائل للتشغيل كما أنها غير قادرة على الترفيع في المقدرة الشّرائية للمواطنين لذلك تسمح للفئات الشعبية والمفقّرة بأن تستهلك من السّلع التي تباع على الرصيف”.

أما المتسولون فيصفهم الغربالي بـ”الصيّادين الحضريين”، إذ يتصيّدون الأماكن الأكثر استراتيجية في المدينة، وغالبا ما تكون هذه الأماكن أرصفة يكثر مرور النّاس عليها، ومع مضيّ الوقت يمتلكونها ليس بشكل قانوني لكن بشكل رمزيّ. وهنا لا يمكن اعتبارهم ضحايا نظام اقتصادي بل فاعلين في الحياة الحضريّة، حسب ما جاء على لسانه.

ويُعتبر التسوّل ظاهرة تزايدت في الفترة الأخيرة، إذ تبيّن الاحصائيّات أن تونس تضمّ 4 ملايين فقير، ولأن الدولة لا تملك البدائل فإنها تتعامل مع المتسولين والباعة المنتصبين دون ترخيص بسياسة “عين رأت وعين لم ترى”، حتى أنها تمنح مساحة حرّة لبعضهم، وفق تعبير الباحث في علم الإجتماع فؤاد غربالي.

لكن يبدو أن “المساحة الحرّة التي منحتها الدّولة لمستغلي الرّصيف خارج الأطر القانونيّة ” قيّدت حرية المترجّلين.استوقفنا بعضهم وسألناهم عن مدى رضاهم عن وضعية الأرصفة في منطقة صفاقس المدينة، فعبروا لنا عن امتعاضهم، قائلين إن الأرصفة لم تعد مُلكا للمترجّلين بل للباعة والمتسوّلين.

“أسير خطوتين على الرصيف ثم أسير عشرين خطوة في الطّريق لأفسح المجال أمام الباعة المنتصبين دون ترخيص قانوني والمتسوّلين. أوشكت شاحنة ذات حجم ثقيل على دهسي. أعيدوا لنا الرّصيف، حياتنا ليست لعبة!” أجابنا مترجل بنبرة ساخطة فيما كان يحاول مثلنا إيجاد مكان يسير عليه فوق الرّصيف.

قضينا يوما طويلا في صفاقس المدينة استمعنا خلاله إلى تشكّيات المترجلين وقصص الباعة. وبشكل تدريجي أخذت المدينة المليئة بالحركة تفقد حيويّتها. صفاقس مدينة تستيقظ وتنام باكرا. وبمجرد أن تغيب الشمس يغيب معها الباعة والمتسوّلون والمترجلون، وتتحوّل الأرصفة المزدحمة إلى أرصفة خالية من الأقدام والأحلام.

 

تنويه

أنجز هذا التقرير ضمن النسخة الثانية من برنامج "مراسلون"، مراسلو الديمقراطية المحلّية، من تنظيم المؤسسة الدولية للنظم الانتخابية (IFES) وسفارة المملكة المتّحدة بتونس.