وسط الحديقة، أراقب خطواته المتثاقلة وهو يتقدّم في اتّجاهي. ألاحظ شعره الخفيف، بشرته البيضاء، ملامح وجهه العادية التي لا تكاد تحمل شيئا مميّزا سوى ابتسامة رقيقة رسمت على وجهه المرهق فيما هو يصافحني.

“جيجي”، كنية غير نمطية لرجل خارج عن المألوف. رجل ناهز السبعين من عمره. قضى  قرابة الخمسين عاما منها متجوّلا عبر أصقاع الأرض وقد ترك كلّ شيء خلفه. ماضيه، وطنه تونس، وأصدقاءه. تحاكي تجاعيد وجهه رحلاته التي بدأها في سنّ العشرين فانطلقت من عاصمة الأنوار باريس ل”تنتهي” في بلاد العمّ سام. ألتقيه، هنا، في حديقة يربا بوانو العامة في سان فرانسيسكو، إحدى حدائقه المفضّلة بالمدينة.

تتسابق أسئلة كثيرة  في ذهني. لكنّني أصمت لفترة أراقبه فيما هو يأخذ أنفاسه ويحوّل أنظاره عني متذمّرا من الضوضاء والأوساخ التي تعمّ المدينة. أكتم ضحكة وأنا أتذكّر تونس والفضلات التي تعمّ أرجاءها. أفكّر: “لا بدّ أنّ قدمي هذا الرجل لم تطآ البلد منذ زمن بعيد”.

ستجيء قصّته لاحقا لتؤكّد تخميني. 30 عاما!

“انطلقت رحلتي سنة 1969″، هكذا يحدّثني جيجي. في عمر العشرين، يقرّر الشابّ السفر إلى فرنسا التي أحبّها في صوت أزنافور وصور الشاشة الكبيرة. “أتذكّر أنني غادرت تونس لأول مرّة وفي جيبي 50 ديناراً و هو ما يقارب 500 فرنك في ذلك الوقت.”

رحلة بدأت بسفينة ستحمله إلى مرسيليا أين سيلتقي بشباب حالم من دول عربية. سيجعله البقاء معهم لفترة كفيلا أن يدير لهم ظهره وينطلق في رحلته وحده. “حياتهم الغارقة في الخمرة والمجون لم تكن تعنيني. أردت أن أشاهد الجانب الآخر للبلد. الحضارة. تاريخ البلاد، ومتاحفها، وحدائقها، وفنّها.”

وفي فرنسا، سيقرّر جيجي أن يواصل دراسته. وبين الدراسة والعمل في وظائف مختلفة تظلّ حياته تتأرجح بين المتعة وكسب القوت. المتعة التي يحسّها كلما استقلّ القطار نهاية كل أسبوع متجوّلا بين مدن أوروبا، وكسب  القوت حتى يتمكّن من العودة إلى المحطّة الأولى تونس. فينفق فيها كلّ ما جناه ويشدّ الرّحال مجدّدا إلى هولندا أو بلجيكا أو غيرهما من دول أوروبا…….حياة أجمل ما فيها أنّه يغفو في بلد ليستيقظ في آخر. تفتح له أوروبا أبوابها وتشرح صدرها. ففي السبعينات لم يكن المرء بحاجة إلى تأشيرة سفر حتى يسافر.

أسأله بعد أن سرحت بأفكاري برهة من الوقت مستذكرة تأشيرة الـ”شنغن” اللعينة: “وهل أكملت دراستك ؟”. ينظر إليّ جيجي مبتسما، ثمّ يجيبني بسؤال آخر:” ولمَ أرهق نفسي في الدراسة وقد وجدت طريقا مختصرا لربح المال والعيش حرّا؟”

لم أحر جوابا. تبدو إجابته/ السّؤال وجيهة جدّا.

“أقف على حافّة الطريق، ومع أوّل ستوب تبدأ رحلتي”. منال رعّاش، إنسان

أسأله مجدّدا: “وكم استمرّت رحلاتك يا جيجي؟”. أسمعه يقول بصوت أجشّ: “رحلاتي لم تنته. هي ما تزال مستمرّة وممتدّة امتداد الزمان والمكان. لم أخطّط يوما لأيّ منها. كانت كلّها تلقائية. في كثير من الأحيان أظنّ أنها هي من اختارتني. تقودني رحلتي إلى مكان لا أعرفه. أجهل جغرافيته وتاريخه. فأروح إليه أكتشفه حاملا معي حقيبة ظهر وشغفا بالاستكشاف. أقف على حافة الطّريق، و مع أوّل ‘ستوب’ تكون رحلتي.”

رحلة مع سائق سيراه للمرّة الأولى والأخيرة. دائما.

هكذا تبدأ مغامرات جيجي. المجهول كان وجهته بين مدن أوروبا حاملا معه حبّه للاستطلاع، جواز سفره وحقيبة صغيرة. ستدوم أوّل رحلة طويلة يقوم بها الرحّالة التونسي ما يقارب خمس سنوات يقضيها بين بين فرنسا، وبلجيكا، وهولندا، وألمانيا وإسبانيا.

-وبين المكان والزمان أين يتمركز الإنسان؟

– لا يتمركز معي. أنا لا أرتبط بمكان أو زمان أو إنسان. حتى الوجوه تضيع من ذاكرتي لكثرة من عرفتهم. ذاكرة تمتلئ حد التّخمة بكل ما تحمله أسفاري.

-يعني، ليس لديك أصدقاء؟ ولا أهل أو أحباب؟

-أمّا الأهل فقد تركتهم خلفي في تونس. لقد سكنوا التراب ولفّهم النسيان. قطعت حبل الوصل مع أوّل تذكرة. وأمّا الأصدقاء فكانوا عابرين. تذكّرني رسائلهم الشحيحة بهم أحيانا. أسرق منها أخبارهم ثم أرميها في درج ما في مكان ما… وأرحل.

“طيّب، وماذا عن الأحباب؟ “. سيبتسم جيجي وقد علم قصدي قبل أن يردّ بصوت ثابت: “لا أحباب أيضا. ما الذي يجعلني أرتبط بشخص ما؟”. أقاطعه:  ربّما الرغبة في الاستقرار؟” فيجيء ردّه/ السؤال: “كيف أستقرّ والرحلة ما زالت في محطّاتها الأولى؟ أوروبا كانت بداية الرحلة وليس آخرها. ولعلّي أحدثك عن سفراتي في آسيا حيث أمضيت ما يقارب أربعة أشهر بين كلّ من أندونيسيا، وماليزيا وسنغافورة.”

كان الفضول يغمرني لمعرفة الصعوبات التي اعترضت طريق الرّجل الّذي قطع منذ عقود تذكرة ذهاب بلا عودة. “نمت في الشوارع وتضوّرت جوعا عدّة مرّات. كنت ومازلت أريد الاستمتاع باللحظة الآنية فقط. لا أندم على الماضي ولا أحمل همّ المستقبل. أنام مسترخيا أينما حلّ الظلام، وأستيقظ في الصباح متفائلا بيوم جديد. ثمّ أمضي في رحلتي دون سابق تخطيط .” يسكت محدّثي قليلا، قبل أن يضيف :”لم أحمل يوما همّ الصعوبات. كنت وما زلت قنوعا. لم أعاند الأقدار يوما. اشتغلت في كلّ عمل صادفني. عملت دهّانا ونجّارا ووو… “

أن أسجن هنا خير ألف مرّة من أن أسجن هناك. منال رعّاش، إنسان

يحدوني الفضول الآن إلى معرفة قصّة رحيله عن أوروبا إلى بلاد العمّ سام. يخبرني جيجي أنّها مرتبطة بصداقة جمعته بامرأة أمريكية عرفها في سويسرا. “وعلى ضفاف بحيراتها عشنا كغجر لفترة من الزمن”.

-بحيرة وغجر؟ إذا كانت علاقة جميلة هكذا فلماذا لم تستمرّ ؟

-علاقة “الصداقة” لم تستمرّ. عبر رسائلها أحببت سان- فرانسيسكو وتجدّدت رغبتي في اكتشاف عوالم أخرى وأنا في سن الأربعين. وبعد مرور حوالي أكثر من عشر سنوات في أوروبا إذ بالأقدار تقودني أبعد لتطير بي عبر المحيط الأطلسي. تركت خلفي أشخاصا ربطتني بهم ذكريات جميل  وأوقات سعيدة . أشخاص كلّما أردت الاقتراب منهم ابتعدت أكثر.

 -وهل أردت لقاء صديقتك في سان فرانسيسكو؟ أخبرني  بصراحة ؟

-لا. ذهبت وغايتي المكان لا الشخص. حتى أنني لم ألتقيها هناك.  تركت الأقدار تحملني إلى الوجهة التي تريد. لم تكن سان فرانسيسكو ودودة معي.  اختلف المكان ومعه اختلف الناس.  التحفت الرصيف وفي أزقّة المدينة  وشوارعها نمت.  عرفت الجوع لكني عرفت أيضا أن لكلّ يوم قصّة وتقلّبات وأن دوام الحال من المحال.

 -وهل آن الأوان لرحلتك أن تنتهي في سان فرانسيسكو؟

-لا، مطلقا. بدأت الرحلة من هنا. كانت أمريكا بداية التسعينات على خلاف ما ترينه الآن. انطلقت نحو نيويورك ثم إنتقلت إلى سان فرانسيسكو ….كنت أعمل طوال الأسبوع  كعون صرافة في متجر صغير وأقضي آخره في لاس فيغاس لأضيع ما جنيته في ملاهيها ومراقصها. لم أكن أحمل أوراق اقامة. كان ذلك آخر همّي لسهولة التنقل و تسامح الجهات الأمنية. فما لم تخترق القانون فأنت في مأمن. ثمّ فجأة قدم جورج بوش لتنقلب الموازين بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر و يضيق الخناق على من لا أوراق إقامة لهم وتتصاعد موجات العنصرية ضد العرب والمسلمين. الطائرات في ذلك اليوم لم تسقط برج التجارة العالمي فقط بل أسقطت حقّي في التنقّل وجعلت من سان فرانسيسكو سجنا لي. أنا الآن محكوم  بالمكوث  لما يقارب ثلاثين سنة في نفس المكان لا أملك حقّ المغادرة.

“هل سجنتك أمريكا أم أنّك سجنت نفسك فيها ؟”. “لا هذا ولا ذاك”، يقول جيجي “سجنني المكان و الزمان. هما تغيّرا في حين بقيت أنا على حالي. لم تعد حرية التنقل حقا بل مزية تدرج في أوراق بشروط معينة تحت إجراءات لم أستطع يوما الالتزام بها ولم أرغب أن أنطوي تحتها، فما عاد بإمكاني الذهاب خارج حدود هذه الولاية.”

-إذا ترجّل الفارس عن جواد رحلته!

– كنت أتمنّى أن أترجّل عن جواد الحياة بأسرها، لكنّ الأقدار تعاندني!

 أفغر فاهي تعجّبا: “إلى هذا الحدّ؟”. فيردّ بتصميم: “وأكثر. لم يعد اليوم كالبارحة. اللحظة التي كنت أعيشها في لحظتها أصبحت ثقيلة مملّة ومتكرّرة. المكان نفسه والأشخاص هم نفسهم… حتى أنا أصبحت نفسي.”

لا أعرف إن كنت نطقت سؤالي الأخير بصوت عال أم أنّ محدّثي قد قرأ أفكاري. “تونس؟ لا أريد العودة إليها. لقد هجرتها وهي جميلة فكيف أعود إليها وهي تلتحف سواد النهضة وقبح الغنّوشي؟ حال البلاد لا يسرّ من يراها من الخارج فكيف بمن في الدّاخل؟ لا، لا… أن أسجن هنا خير ألف مرّة من أن أسجن هناك.”

مرّة أخرى، يجعلني حديث جيجي لا أحير جوابا. يصمت كلانا برهة من الزمن، قبل أن أسمع الرّجل الذي باع عمره يقول متنهّدا:” أتعلمين؟ كنت أوصي أن أدفن في المقبرة الأمريكية بقرطاج ، أتدرين لماذا؟” ولا ينتظر أن أردّ، بل يردف ضاحكا “لأنها مليئة بالأزهار أينما التفتّ”.

فجأة، تغمر أجواء الحديقة رائحة “الورد العربي” وشقائق النعمان، فأنسى عجبي من أن يضحك المرء على إيقاع كلماته الحزينة.

تنويه