الساعة منتصف الليل إلاّ ستّ دقائق. تُدير المفتاح بحذر شديد خشية إحداث ضجة. وما إن تعبر باب البيت حتى تتراءى لها غرفة طفلتها الصغرى مُنارة. تتقدّم نحوها فيتهادى إليها صوت زوجها مدندنًا للصغيرة كي تنام بعد أن قضّت مضجعها حُمّى خفيفة.

تأخذ فاتن طفلتها بين ذراعيها وتقبّل جبينها ووجنتيها. لقد غابت عنها طوال اليوم، لكنها واثقة بأن طفلتها ستكون سعيدة من أجل الأطفال الآخرين الذين ساهمت أمّها في صناعة سعادتهم.

فاتن بن حميدة مواطنة تونسية أصيلة صفاقس وتبلغ من العمر ستّة وثلاثين عاما. تعيش وتنشط في العاصمة وهي ممثلة تجارية لشركة وأم لثلاثة أطفال. لم تمنعها مسؤولياتها المهنية والعائلية من أن تضع على عاتقها مهمّة مساعدة آلاف العائلات المعوزة منذ بداية أزمة كورونا.

تقضي فاتن أكثر من نصف يومها في العمل الخيري. وهي غالبا ما تتأخر في العودة إلى المنزل خصوصا مع قرب المناسبات الدينية كشهر رمضان وعيد الفطر ومؤخّرا عيد الأضحى. فهي ترى  أن من اختاروا العمل الإنساني يجب أن لا ينفذ عطاؤهم أو تكلّ نفوسهم عن البذل.

نجحت فاتن لوحدها في توزيع ما يقارب 60 أضحية بولايات تونس الكبرى من جملة 250 أضحية وزّعها القائمون الخمسة على هذه الحملة. يتراوح سعر الأضحية بين 400 و 550 دينار بعد الارتفاع في أسعار الأضاحي خلال الثلاثة أيام التي سبقت العيد.

بداية من شهر رمضان مرورا بعيد الفطر، ووصولا الى عيد الأضحى، بدأ الأمر بفكرة عبر “فيسبوك” من خلال المجموعة الشهيرة Lost and found Tunisia  التي تضمّ أكثر من 920 ألف عضو. وهي مجموعة خاصّة على موقع فيسبوك تم انشاؤها سنة 2016 بهدف مساعدة الأشخاص في تونس على إيجاد أغراضهم أو حيواناتهم المفقودة، لتضيف بعد ذلك الدعوات إلى تنظيم حملات نجدة للمساعدة او التبرع للأشخاص المحتاجين. ويؤكّد القائمون على المجموعة أنها ستتحوّل قريبا إلى جمعية خيرية حيث تم تسجيل اسمها مؤخرا بالملكية فكرية.

وبما أن الدافع الشخصي كان أقوى من أي شيء لم تفكّر فاتن مرّتين قبل أن تكرّس نصف وقتها لجمع التبرعات ونشر ثفافة التضامن الاجتماعي على منصات التواصل الاجتماعي.

تسلّمت “امرأة الأضاحي” في البداية عددا من الخرفان من أحد الفلاّحين، ثم جعلت لاحقا تتردّد بنفسها على الرحبة في كلّ من العوينة وسيدي حسين وسيدي ثابت بعد تسلّم مبالغ مالية من متبرّعين.

“كإمرأة في مجتمع محافظ، لا يبدو الدخول إلى الرّحبة موضوعا سهلا أو مهمّة يسيرة لأنها لا تزال فضاء ذكوريا بامتياز”، لذلك تستعين فاتن بأخيها الذي يصغرها بعام واحد لاختراق هذا الفضاء الذي يتطلب اليقظة والخبرة في مناقشة الأسعار وتقييم جودة الخراف.

و تتولّى فاتن بمعيّة أخيها كذلك، نقل الأضاحي في الصندوق الخلفي لسيارتها الخاصّة نحو بيوت العائلات ممن تمّ اختيارها بعناية. فقد سهّلت الحملة التي قامت بها المجموعة فترة الحجر الصحي بناء قاعدة بيانات تضمّ آلاف العائلات المعوزة بكامل تراب الجمهورية لتنجح Lost and found Tunisia في توزيع أكثر من 12 ألف قفة.

عمل مضني على مدار الساعات والأيام، يتطلب إرادة لا تفتر وبيئة اجتماعية ونفسية تتجاوب مع العمل الخيري ولا تتردّد في تقديمه، ذلك أن فاتن ليست من أصحاب الملايين أو الاستثمارات ممّن يقدرون على توفير كل شيء من حساباتهم، بل تتفانى في اقناع متابعيها بالتبرّع وتقديم المساعدات.

لا يتوانى زوج فاتن عن تشجيعها في ما تقوم به. فهو قد أخذ على عاتقه كامل مسؤولية المنزل والعناية بالأطفال إيمانا منه بأن ما تقوم به زوجته يستحق التضحية من كافة أفراد العائلة، خصوصا وأن نتائجه قد أتت بالخير على الكثير من المواطنين المحتاجين.

تقول فاتن إنها عاشت ظروفا اجتماعية صعبة وطفولة قاسية جعلتها تستشعر اليوم آلام الآخرين وأوجاعهم وتفهم حاجياتهم ومتطلّبات أطفالهم.

وتضيف: “لمن هم في مثل سنّي، قد لا تبدو لنا فكرة خروف العيد شيئا ذا قيمة ولا يحمل الموضوع لنا أي حساسية. ولكنني أشعر بأولئك الأطفال وأقرأ ما في عيونهم، لأنني كنت يوما ما مثلهم وعشت معاناة أتمنى ألا يعيشوها.”

من بين هؤلاء تؤكد فاتن أن الأولوية في توزيع الأضاحي أعطيت لليتامى وذوي الاحتياجات الخصوصية والمواطنين الأشد عوزا.

أعطيت الأولوية لليتامى وذوي الاحتياجات الخصوصية والأشدّ عوزا

قبل أفول شمس يوم عرفة بلحظات، كانت فاتن تواصل جمع التبرعات وشراء الأضاحي رغم القيظ والصيام. تحدّيات تواجهها بمضادات نفسية تلخّصها في “أدعية الخير التي يلهج بها المستفيدون ودموع الفرح في عيون الصغار والكبار”.

لم تنته مساعدات العيد بشراء الأضاحي فقط، إذ ساعدت فاتن وبقية الأعضاء العائلات المستفيدة في توفير مصاريف ذبح الخراف يوم العيد، وقاموا جميعا بتوزيع اللحوم على العائلات التي لم تتمكن من توفير خرفان لها.

بابتسامة الرضا والأمل تدعو فاتن التونسيين والتونسيات إلى أن يضعوا اليد في اليد من أجل تونس أفضل. تتّسع ابتسامتها وهي تستذكر المثل الشعبي “حمل الجماعة ريش كيما يقولوا ناس قبل”.

عائلات وأطفال عديدون جعلت فاتن ورفاق حملتها عيدهم مباركا. ولكن بهجة العيد لم تدخل هذا العام بيوتا كثيرة أخرى.

وفي الوقت الذي ترتفع فيه بعض الأصوات كلّ عام مستهجنة ذبح الخرفان من منطلق الدفاع عن الحيوانات، يتعلّق الأطفال والأمّهات والآباء في وقت معلوم من السنة بأمل أن يكفي ما في الجيب لشراء “العلّوش”… أو أن يجود قلب رحيم ب”كبش يدور وقرونو نطّاحة”…

تنويه