كانت كل الأجواء لتكون “ملائمة” للاحتفال صباح 17 ديسمبر/ كانون الأوّل 2020 في سيدي بوزيد، إحياء للذكرى العاشرة للثورة، لولا ذلك الصوت المزمجر القادم من بعيد لإمرأة تحاول إقتحام جموع المحتشدين بغية الوصول إلى المنصّة الرئيسيّة. كانت تعرف هدفها تماما. إفساد الحفل.

 يومها حاول أعضاء لجنة تنظيم المهرجان دفعها بعيدا عن منصّة الاحتفال الرسمي كما حاول أعوان الأمن منعها من التقدّم. ولكنّها نجحت في الوصول إلى المنصّة وأبلغت رسالتها أمام عدسات الإعلام الاجتماعية والتقليدية:” لا نريد الاحتفال، نريد الاحتجاج”!

لم تكن تلك السيدة سوى إيمان محمد الزين عزري، صاحبة الصوت المختلف الذي أربك احتفالات الذكرى العاشرة للثورة في سيدي بوزيد. يومها جنت إيمان من اقتحامها منصّة الاحتفال حشرجة في الحلق والصّدر. لقد التقطت فيروس كوفيد-19.

“رشوة اجتماعية”

تُدعى إيمان وتفضّل دعوتها بإسم “أمّ أمين”، ذلك الطفل الذي تشعر أمّه أنّ اضطهادها مهنيا بآلية تشغيل هشّ من قبل الدولة أضرّ به أكثر مما أنهكها هي نفسها. فأمين يعاني من مرض تنفّسي مزمن (ربو) بعد أن قضى ثلاث سنوات ونصف من عمره يجوب شوارع مدينة سيدي بوزيد في عربته الصغيرة مرافقا لأمه عاملة النظافة.

حين جاءت الثورة، كانت إيمان في أسوأ حالاتها. فهي مطلّقة حاضنة لطفل عمره آنذاك سنتان ومعطّلة عن العمل دون أيّ آفاق للتشغيل تلوح في الأفق. “في تلك الأيام العصيبة، كنت أواجه فجيعة فقدان أمّي وفجأة جاء الفرج عبر أحد معارفي، إذ توسّط لي لدى معتمد منطقتي فسلّمني الأخير رسالة فتحت لي فرصة توظيف في مكتب إسناد الرخص ببلدية سيدي بوزيد”.

هذه الفرصة كانت وفقا لآلية الحضائر وهي آلية عمل هشّة تم اعتمادها لإخماد الاحتقان الاجتماعي ما قبل الثورة وخاصّة ما بعدها. وكانت سنة 2011 سنة مفصلية في انقلاب مشهد الحضائر، فقد تطوّر العدد الجملي لعملة الحضائر من 62876 عامل سنة 2010 إلى أكثر من 125000 عامل سنة 2011 ّ قبل أن يتقلّص العدد إثر ذلك نسبيا ليستقرّ في حدود حوالي 100 ألف عامل سنة 2014.

ولئن تمّ بمقتضى هذه الآلية إدماج الآلاف من المعطّلين ضمن الوظيفة العمومية، فإن ذلك لم يسهم في تخفيف الإحتقان الإجتماعيّ، بل إن التحركات الاحتجاجية لعمّال وعاملات الحضائر قد زادت بعد أن أصبحوا أحد أكثر الفئات الاجتماعيّة هشاشة.

لا يتجاوز أجر عامل الحضائر 276 دينارا (100 دولار) بالنسبة للحضائر الجهويّة، ونحو 330 دينارا (120 دولار) للحضائر الفلاحيّة. أجور لا تؤمّن الحدّ الأدنى من العيش الكريم في ظلّ التردّي الإقتصادي وبلوغ نسبة التضخّم 4،9 % (جانفي/ كانون الثاني 2021) الأمر الذي يفاقم تدهور القدرة الشرائية للمواطن.

بعد نحو عام فقط من انتدابها، ورغم تواصل تضخّم عدد الحضائر الجهوية، خسرت إيمان وظيفتها بـ”دعوى التدقيق”. فالسلطات كانت عازمة آنذاك على غربلة عمّال الحضائر وإعادة توزيعهم فكان نصيب إيمان الشارع. “قالوا لي ليس لدينا وظيفة لك سوى تنظيف الشوارع. طبعا قبلت لأنني كنت احتاج الى دخل شهري يُؤمّن لي استمرار الحياة فأنا مطلّقة وأم حاضنة لطفل”.

رحلة أمين …وذاكرته

منذ العام 2012 بدأت رحلة الطفل أمين في عربته الصغيرة في شوارع بوزيد مرافقا لأمّه في شغلها. تقول إيمان: “لم يكن لي سند يساعدني على رعاية الطفل ولا إمكانية مادية تمنح صغيري فرصة قضاء يومه في دفء الحضانة. كان يتبعني كظلّي، وأصبح عملي عالَمه الصغير. لقد كان ينادي “شاف الشانطي (رئيس العمل) بابا”.

أمضى أمين ثلاث سنوات ونيف من عمره في تلك الرحلات اليومية مرافقا لأمّه وكان ثمن تلك الرحلات إصابته بالرّبو. وقد تعرّضت إيمان لانتقادات مرؤوسيها في العمل بسبب مرافقة طفلها لها.

لاحقا ومن أجل مصلحة الطفل مُنحت إيمان فرصة العمل في الشوارع المحيطة بمنزلها حماية لأمين. وهكذا انقلب روتين عمل الأمّ فأصبحت تخرج للعمل فجرا وتترك أمين نائما في المنزل لوحده. “اضطررت لتنظيم عملي بهذا الشكل حتى أستطيع حماية إبني والإبقاء عليه في المنزل فلا يجوب معي الشوارع خاصة وأنه أصبح يعاني من الرّبو.”

وتستطرد شارحة:” حين ينام طفلي أخرج لأجوب الشوارع المحيطة أكنسها وأترك تلك الأكداس الصغيرة من الفضلات للرفع سواء عبر الجرّارة أو العربات المجرورة. إلا أنّ انتقادات المرؤوسين لاحقتني ثانية بدعوى أنه من الضروري أن أجمع تلك الأكداس في عربة مجرورة وأوصلها إلى المستودع بنفسي”.

وهكذا جعلت إيمان التي تترك إبنها الرضيع نائما في البيت وحده تجرّ العربة وهي قلقة مشغولة البال. وحدث أن سقطت وحصلت لها إصابة بليغة على مستوى الظهر. “ولأنني ضحية التشغيل الهشّ الذي كرّسته الدولة لم يكن من حقي أن تتكفّل الإدارة بمصاريف علاجي باعتباره حادث شغل.  بل إنني كنت مهدّدة بالجوع إن لم أستمرّ في العمل رغم إصابتي”.

عندما كان الوجع والمرض يلزمان إيمان فراشها، كانت إحدى صديقاتها تحلّ محلّها في العمل لتحصل إيمان على أجرها كاملا. “هي أمّ صديقتي، وتعرف جيدا تفاصيل حياتي، وكانت تدرك أنّ تغيّبي -حتى المبرّر منه- سيمنع عنّي أجري آخر الشهر.”

تحمل إيمان قناعة بأنها تعيش في دولة غير عادلة. فهي كمُشغّل وفّرت لإيمان آلية عمل هشّة (الحضائر) وحرمتها من حقّها في التمتّع بالعلاج إثر حادث الشغل وكادت تحرمها من أجرها. وتورّطت في خروقات كبرى للحقوق ومنها فرض التمييز. وهنا تعني إيمان التمييز في الأجر وفِي الوضعية المهنية بين عمّال الحضائر وزملائهم في ذات الادارة. اذ أن عاملة وعامل الحضيرة لا يتقاضى ذات الأجر الذي يتقاضاه زميله في نفس المكتب ولا يتمتّع بذات الامتيازات من ذلك التأمين على حوادث الشغل والتغطية الاجتماعية، وفق قولها.

زد على ذلك، انتهاك الحقوق والاستغلال الاقتصادي وهو حال إيمان التي كان مطلوب منها العمل رغم حادث الشغل الّذي استدعى ملازمتها البيت.

تسوية … بمعيار ظلم جديد

في العام 2016،  قرّرت عاملة الحضائر طرق أبواب جديدة للعمل وهي التي أصبحت غير قادرة على جرّ “البرويطة” في الشارع جرّاء الأضرار الجسدية التي ألحقها بها حادث الشغل. فكانت وجهتها مركز إعداد الرياضيين القريب من مسكنها ولقيت القبول من مسؤوليه. ثم التحقت بوحدة رحلات سياحة الشباب في المندوبية الجهوية للرياضة حيث تواصل اليوم عملها في انتظار تسوية وضعيتها المهنية.

كان الأمل يحدو إيمان بأن تنتهي ليالي عذابها ببزوغ فجر التسوية. لكنّ الليل طال. وصار الظلم في حياتها ظلمات.

توقيع اتّفاقية عمّال الحضائر بين الحكومة والهيكل النقابي. صورة من الصفحة الرسمية لرئاسة الحكومة، فايسبوك

في العشرين من أكتوبر/ تشرين الأوّل 2020، أعلنت الحكومة التوصّل إلى توقيع اتّفاق بينها وبين الاتّحاد العام التونسي للشغل، يقضي بتسوية وضعيات عمّال الحضائر من الفئة العمرية الأقلّ من 45 سنة، وإحالة الفئة العمرية 45-55 سنة على المغادرة الإجبارية مقابل مبلغ تسوية قدره 20 ألف دينار.

تذكر إيمان وقع الخبر عليها آنذاك قائلة: “صُدمتُ للأمر. ما كنت أتوقّع أن ظلم الدولة وسوء إدارتها لأزمة عمّال الحضائر سيتجاوز الارتجال والحيف نحو تكريس التمييز والإقصاء. ما كنت أتوقّع بأن يلاحقني الظلم.” كان عمر إيمان الّذي تجاوز الـ47 عاما يجعلها مستثناة من اتّفاق تسوية الوضعية.

لكنّ المرأة التي عرفت الظلم حتّى خبرته قرّرت أن “تلاحقه” كما هو يلاحقها. أن تتبعه حيثما ذهب. وهكذا كان.

ترفض إيمان اليوم القبول باتفاقية 20 اكتوبر/تشرين الأوّل مطالبة بتعديلها، شعارها في ذلك “نعدّلها حتى بالدم” أي بالتضحية بالنفس في سبيل ذلك.

يوم 17 ديسمبر/ كانون الأوّل 2020، خرجت إيمان للاحتجاج. “رفعتُ شعارات تعادي الاحتفال وتذكّر الناس بأوضاعها الاقتصادية والاجتماعية. يومها نسيتُ عدوى كوفيد-19 وأردت أن تخرج كلماتي هكذا كالسّهم من فمي كي ألقي بها حمما ساخنة على منصّة الاحتفال، لعلّ الناس تكترث للانتهاكات التي تمارسها الدولة في حق عاملات وعمال الحضائر أمثالي”.

يومها جابت صور إيمان محمد الزين عزري وفيديو صراخها في وجه الاحتفالات مساحات شاسعة من فضاء الفايسبوك وسمّاها رفاقها في النضال من عاملات وعمال الحضائر بـ”اللبؤة” التي أبلغت الرّسالة بشكل جيد. حدث كل ذلك في لحظات غابت بعدها إيمان لأيّام إذ دخلت في عزل ذاتيّ بعد تأكّد إصابتها بكورونا. “ألم أقل لكِ إن الظلم يلاحقني؟”

لم يكن ذلك سؤالا.

ما شاء كوفيد فعل

كان من الصّعب على إيمان القبول بالانفصال الجسدي عن إبنها لمدّة أسبوعين متتاليين ولكنّ كوفيد-19 قدّر هذا الانفصال الموجع. وما شاء كوفيد فعل.

تروي الأمّ الموجوعة تجربتها من داخل العزل الذاتيّ: “تركت لإبني الطابق السفليّ من المنزل، الّذي نتسوّغه على وجه الكراء، باعتبار وجود التلفاز والمطبخ وكل ما يحتاجه فيه. وصعدت أنا إلى عزلتي في الطابق العلويّ. كنت حريصة على اعتماد بروتوكول صحّي صارم في المنزل كي لا تتسلّل العدوى إلى أمين خاصّة وأنه يعاني من الرّبو”.

تستبدّ مشاعر الأمومة بإيمان فيرتجف صوتها وهي تستذكر بعض المواقف المؤثّرة. كان طفلها يصعد إلى الطابق العلوي ويقبع أمام غرفة أمّه طالبا منها عدم غلق الباب حتى يظلّ يشاهدها ولو من بعيد. فهو يشتاقها ويخاف البقاء لوحده. كان يشتهي أن يركض نحوها ويرتمي في حضنها. لكنّ شبح كورونا كان يقف بينهما. طويلا، مخيفا، وساخرا بأمنية طفل بريء.

طوال أسبوعين، عانت إيمان من أعراض صعبة. أمّا ليلة رأس السنة فقد أمضتها بمفردها بعد أن أخذ شقيقها إبنها أمين لقضاء الليلة في بيته.

ورغم الأعراض والعزل ووجع الحرمان من احتضان طفلها، لم يتوقّف بحثها عن حلول من أجل تسوية مهنية عادلة. وهكذا، لم يمنعها وجع الرّأس الشديد من أن تخطّط لتنظيم تحرّك وطني لعمّال الحضائر من الفئة العمرية 45-55 سنة أمام مبنى البرلمان الاثنين 11 جانفي/ كانون الثاني من العام الجديد.

 كان هدف إيمان أن تضغط ورفاقها لتسريع النظر في مبادرة تشريعية يقترحها عمّال الحضائر ،مدعومين من قبل منظمات وطنية ودولية، وتتبنّاها حركة الشعب.

تماثلت إيمان للشفاء. إلاّ أنها لم تتمالك نفسها عن الضّحك إذ تذكّرت الحشرجة التي خلّفها الفيروس في صوتها. “لا مشكلة. سأتفاداها باستعمال مكبّر الصوت!”

اليوم الموعود… لم يأت بعد

حلّ يوم 11 جانفي/ كانون الثاني. ومرّ. وبعده مرّت تواريخ كثيرة أخرى وقفت فيها إيمان ورفاقها أمام مبنى البرلمان في العاصمة. كانوا يردّدون شعارات تنادي بإنصاف العمّال والعاملات من الفئة العمرية بين 45 و55 سنة وإلحاقهم بالتسوية المهنية، وذلك عبر المصادقة على تنقيح القانون عدد 112 لسنة 1983 المؤرّخ في ديسمبر/ كانون الأوّل 1983.

أودعت مبادرة التنقيح لدى لجنة تنظيم الإدارة وشؤون حاملي السلاح بمجلس النوّاب منذ شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2020 ولكنها لم تمرّر الى لجنة المالية سوى نهاية شهر جانفي/كانون الثاني 2021.

وبتاريخ 18 فيفري/ شباط تمّت المصادقة عليها بالأغلبية من قبل لجنة المالية بالمجلس.

أصبح إذن لـنحو 15280 عامل وعاملة حضائر من الفئة العمرية 45-55 سنة سند من اللجنة المالية يؤكد بأنه لا ضرر في التوازنات المالية في حال تسوية وضعياتهم. لكنهّم ما يزالون اليوم أمام المسار المعقّد ذاته.

حيث سيتمّ توجيه مقترح تنقيح القانون ثانية إلى لجنة تنظيم الإدارة أين يمكن أن يغادرها سريعا نحو مكتب المجلس ويتمّ تحديد جلسة عامة للمصادقة عليه. كما يمكن أن يبقى في رفوف اللجنة أسابيع أو أشهرا قد تطول يتمّ خلالها تطبيق اتفاقية 20 أكتوبر/ تشرين الأوّل وإحالة آلاف العمّال المستثنين منها على المغادرة الاجبارية لمواطن شغلهم. “أغلبنا حالات اجتماعية واجبارنا على المغادرة يعني تعريضنا للجوع والفقر والتهميش. البعض من بيننا يحملون بطاقات إعاقة والكثيرون معيلون لأطفال ويساعدون بقية أسرهم على العيش.”

وتضيف إيمان “جميعنا سنجوع. لأجل هذا أرفع شعار “نعدّلها حتى بالدم” وأقصد أن لن نتراجع عن تسوية وضعياتنا فهي بالنسبة لنا مسألة حياة أو موت… لا نريد الموت جوعا”.

تعرّضت إيمان لدى احتجاجها أمام البرلمان إلى الإيقاف بتهمة محاولة اقتحام مؤسسة سيادية. أسماء سحبون، إنسان

أرادت إيمان الزين عزري على الدّوام إبلاغ صوتها إلى عمق البرلمان فكان أن تقدّمت خطوات نحو المبنى متجاوزة الأسلاك الشائكة المضروبة حوله خلال في الوقفة الاحتجاجية التي نظّمتها ورفاقها بتاريخ 11 فيفري/ شباط 2021. بضع خطوات وجدت نفسها على إثرها رهينة الإيقاف بتهمة محاولة اقتحام مؤسسة سيادية.

تروي إيمان أحداث الإيقاف قائلة: “يومها تدخّل نواب ونشطاء في المجتمع المدني لإطلاق سراحي. وصراحة لم يقلقني الأمر كثيرا، فالإعتقال وإن تكرّر لن يثنيني عن المطالبة بحقّي في تسوية مهنية عادلة فهذا حقي الذي تنكره عليّ الدولة كطرف مشغّل وهذا حق طفلي الذي أتكفّل بحضانته وأوفّر له، وحدي، حاجياته المعيشية”

وتضيف بحسرة “من كان مسنودا حزبيّا ونقابيّا تمّت تسوية وضعيّته، أمّا من لا سند له مثلي فتلاحقه المظالم. ولكننا لن نصمت ولن نغادر العمل. نحن نريد تسوية عادلة لا تلغي وجودنا ولا تحيلنا على الفقر والبطالة”.

كان من المفترض أن تدخل اتفاقية 20 أكتوبر/ تشرين الأوّل حيّز التنفيذ نهاية شهر فيفري/ شباط الماضي، لكنّها لم تنشر بعد في الرائد الرسمي. الأمر الّذي يمنح إيمان بعض الأمل في ألاّ تحال على المغادرة الإجبارية لعملها.

أمل هشّ هشاشة آلية تشغيلها.

تنويه